المزيد
مخاطر ما يجري بمصر على الأردن والإقليم

التاريخ : 21-07-2013 |  الوقت : 01:40:27

*محمد داودية
أخذت القوى الشبابية والتقدمية واليسارية والقومية والعلمانية وقوى الحداثة والأزهر والأقباط والسلفيون والفلول والدولة العميقة على الإخوان المسلمين أنهم استأثروا وطبقوا نهج "المغالبة" وجشع السلطة، هذه المآخذ صحيحة 100 %، فأبرز خطايا الإخوان بداية، أنهم رشحوا رجلا منهم رئيسا لمصر هو خيرت الشاطر - وبديله محمد مرسي - ولم يتحلوا بالخيال السياسي والزهد والمرونة والواقعية السياسية فيفسحوا المجال لشخصية مصرية مستقلة أو شخصية تحالف سياسي تحظى بالاحترام، فيرشحونه ويدعمونه الى أن تصبح الظروف مهيأة لرئيس "إخواني". 
وقد ساهمت تلك الأطراف، الشبابية والتقدمية واليسارية والقومية والعلمانية وقوى الحداثة والأزهر والأقباط والسلفيون والفلول والدولة العميقة، في إيصال الإخوان المسلمين الى حالة المغالبة والاستئثار والى حافة الفشل والهزيمة عندما رشحوا واحدا من رموز "الفلول" -أحمد شفيق- رئيسا للجمهورية، مقابل محمد مرسي الذي نجح بأصوات قطاع مستقل محايد من المصريين انحازوا له ضد مرشح طالع من صلب النظام المنهار وفلوله.
ويجدر أن نلاحظ أن انحياز قادة الجيش المصري ضد الإخوان بهذه الكيفية، تفوح منه رائحة الإملاءات الخارجية - الأميركية والخليجية - والتورط في الصراعات السياسية الداخلية، رغم أن الظاهر هو الاستجابة للشارع والى إكراهات الحفاظ على السلم الأهلي.
لقد برهنت التجربة على أنه من الضروري فصل السياسة بما فيها من دهاء ومناورات ودسائس ومكر وخديعة ومصالح ومراوغة وماديات عن الدين بما فيه من طهر وقيم ومثل ونقاء و مبادئ وصفاء وروحانيات.
لا تستطيع أي جهة أن تقصي الجهات الأخرى، كما فعل الإخوان، كما أنه من المستحيل، كما فعل قادة الجيش، إقصاء الآخرين وفي طليعتهم الإخوان الذين هم ليسوا جالية أو حزبا سياسيا هامشيا، بل هم تيار فاعل بعمق في المجتمع المصري.
إن نجاح الإخوان لا يعزى الى قوتهم فحسب، بل يعزى الى سوء تكتيكات وخيارات وتحالفات القوى المناهضة لهم المتوزعة على قوى المجتمع المدني والقوى الاجتماعية الجديدة والقوى القديمة والفلول والأقباط وقوى الدولة العميقة.. الخ. فقد توزعت تلك القوى على عدة مرشحين أمام تماسك النواة الخبيرة الصلبة التي هي قوة الإخوان المسلمين ومعها التيار الشعبي الجارف الذي انطلت عليه ظنون أن الإخوان  وكلاء الله في الأرض.
إن ما جرى في مصر هو انقلاب بكل مواصفات الانقلاب العسكري المنظم والمبرمج والمدبر ولكن المتعجل الذي أخذته نشوة التأييد العربي والدولي المنافق الجارف الذي يرفع شعار الإفراج عن الرئيس الشرعي محمد مرسي لا شعار إعادته الى موقعه المنزوع منه بالقوة ويطرح حلولا جوفاء تتمثل في مشاركة الإخوان في حكومة الانقلاب كمن يدعو الضحية الى تطبيق شعار "أنا منخدع بك". 
لقد سارع الأردن الرسمي الى الإعلان الصاعق عن تأييد الانقلاب على الشرعية والدستور في مصر، في سلوك "فوق استتباعي" - لم تبلغه الإدارة الأميركية حتى - يلحق أفدح الأضرار بقاعدة الشرعية الدستورية التي يقوم عليها نظامنا السياسي!! ناهيك عن مجانية استجرار عداء تنظيم الإخوان المسلمين العالمي وإطاره الشعبي الديني الممتد من طنجة حتى البحرين.
إن الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر هو شأن شعبي داخلي مصري وإن فشل تجربتهم في الحكم المتفرد الإقصائي كان نتيجة محتمة ومسألة زمن قريب، غير أن أحد أبرز المخاطر التي ستنجم عن الانقلاب على الشرعية، هو جنوح القوى الدينية المعتدلة في كل الوطن العربي وفي طليعتهم الإخوان، الى الراديكالية ونفض اليد من الأنظمة التي تتهمهم بأنهم يبطنون المغالبة ويلجأون الى صناديق الاقتراع لبلوغها وفرض برنامجهم فرضا، وهو السلوك الذي تمارسه بكل صفاقة ونفاق وانتهاك لإرادة الشعوب وقواعد الديمقراطية، قوى الانقلاب على الشرعية ومؤيدوها في كل مكان.
والمفارقة هي أن حث الإخوان على تجنب العنف يتم من قبل أولئك الذين ارتكبوا مذبحة الفجر- الحرس الجمهوري ومن قبل كل أولئك الذين لم يدينوا المذبحة أو مرروها بعار الصمت وخسته.
لقد كشف الانقلاب على الشرعية عن حجم ارتباط الجماعة السلفية الإسلامية (حزب النور) وانتهازيتها ونفاقها وانصياعها السافر للتعليمات وتخليها المشين عن حليف مكنها في الحكم والإعلام والأرض، علاوة على أنه كشف ازدواجية معايير وانتهازية كل القوى السياسية المصرية التي ساندت الانقلاب لا بل وألبت عليه.
ما يجري في مصر - وعندنا - هو "مكارثية" واضطهاد وحرب كراهية وإقصاء ضد الإخوان المسلمين الشركاء الدائمين الرئيسيين الضروريين، لأي حكم في الوطن العربي - وعندنا -، على قاعدة أن المعارضة ضرورة  ليست ضررا. 
إن كان الإخوان المسلمون قد مارسوا الحكم بقلة وعي على استحالة المغالبة ووجوب التوافق ولزوم التشاركية، فإن الانقلابيين قد أطاحوا بهم بقلة شرف سترتد عليهم وبالا.
لقد برهنت الأحداث في مصر على أن الإصلاح في الإقليم يتم في دورق الأواني المستطرقة، فإما أن يطفو الإقليم معا أو يغرق معا، وإن وتائر الإصلاح في بلد لا يمكن أن تفلت من جذب قوى الإقليم كافة. ونتيجة ما يجري في مصر ستكون حجة لقوى الجمود والمحافظة والفلول والتخلف والتفرد الأردنية، للمضي في نهجها العقيم الذي يصر على رفض الإصلاح وعلى وضعنا أمام خيار أوحد هو الأمن أو الديمقراطية.
إن ما جرى ويجري في مصر يشكل أكبر منصة انقضاض على الإصلاح في الأردن ويوجه ضربة شديدة مديدة للمسار الديمقراطي الأردني والعربي ويمهد الطريق لدفن الربيع العربي، وسوف يمد - ما يجري في مصر - في عمر وبرنامج ونهج قوى الشد الخلفي والقوى الرجعية المحلية والإقليمية. 
إن ما جرى في مصر يعني استبدال انفتاح الإخوان المسلمين وتسامحهم ومرونتهم، بالانغلاق والجمود والتكفيريين والاستئصاليين والخزعبلات والهرطقة وعدد الأبالسة والشياطين على رأس الدبوس، التي يترعرع أتباعها عادة تحت عباءة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لقد انفتحت للتو ميادين معركة قاصمة في مصر، فتوازن القوى المصري يعني بالنتيجة توازن القوة، انطلاقا من أن قادة الجيش المصري لن يتمكنوا طويلا وإلى ما لا نهاية، من إصدار الأوامر لأفراد الجيش المصري بالبقاء في الشوارع وإطلاق النار على المدنيين العزّل، كما حدث في مجزرة الحرس الجمهوري، وسينجم عن رفض أوامر التقتيل وفض اعتصامات الإخوان بالقوة وبالشبيحة اهتزاز تقاليد النظام والطاعة والأوامرية في الجيش المصري وصولا الى تداعيه! ومعلوم أن تحديات كبرى وطويلة الأمد تواجه الجيش المصري في سيناء التي تدفق إليها السلاح الليبي بمختلف عياراته وأصنافه، الى درجة تجعلها "تورا بورا" جديدة تابعة لتنظيم القاعدة - وليس لتنظيم الإخوان المسلمين -.
إن توازن القوى والقوة في مصر بين ميداني التحرير ورابعة العدوية وأخواتها - كي لا نقول وإخوانها!!-، يستدعي بالضرورة وقطعا بالمصلحة، عدم استخدام القوة، لعدم قدرتها على الحسم ولإمكانية تحول الطرف الآخر الى اللجوء الى استخدامها.
تتوزع مشاعرنا بين ميادين القوى التقدمية المليونية التي ننتمي إليها وبين ميادين قوى الإخوان المسلمين المليونية التي نختلف مع برامجها، لكن الحق والنزاهة وإيماننا بالشرعية والدستور الأردنيين وبالتعددية السياسية، تلزمنا بتسمية المذبحة مذبحة والانقلاب انقلابا والشرعية شرعية. 
*وزير وسفير سابق



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك