«كريبي دول».. نظام لمراقبة مستخدمي الإنترنت
حاول الباحث في أمن المعلومات، بريندان أوكونور، إثبات أن الحكومات وهيئات الاستخبارات لا تستأثر وحدها بإمكانات التجسس ومراقبة أنشطة قطاع كبير الناس على الإنترنت، بل يمكن لأشخاص عاديين، بالاستعانة بأدوات بسيطة وواسعة الانتشار، الوصول إلى قدر كبير من المعلومات عن مستخدمي أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية ضمن أحياء، وحتى مدينة بأكملها، لافتاً إلى أهمية أن يعيد المسؤولون عن مجال تقنية المعلومات النظر في التصميمات والأساليب المعتمدة حالياً.
وطور أوكونور نظام «كريبي دول» الذي يسمح بتتبع تحركات الأجهزة المحمولة سواء أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف الذكية ضمن منطقة بعينها، فضلاً عن استقبال معلومات منها، ونقلها لاسلكياً إلى قاعدة بيانات مجمعة تعرضها على خرائط ثلاثية الأبعاد بحسب موقعها، وذلك من خلال شبكة أجهزة كمبيوتر صغيرة يمكن توصيلها بأي منفذ للكهرباء وتختفي بسهولة وسط الأماكن العامة التي يتوافر فيها اتصال لاسلكي بالإنترنت )واي فاي ( مثل المقاهي والمحال التجارية.
ويتألف كل واحد منها من كمبيوتر بالغ الصغر من نوع «راسبيري باي» يعمل بنظام «لينكس» مفتوح المصدر، ويستطيع هذا النوع من أجهزة الكمبيوتر تنفيذ معظم وظائف الكمبيوتر العادي، ويتضمن معالجاً صغيراً، وبطاقة ذاكرة مؤمنة ومنافذ للتوصيل، ويقترب حجمه من بطاقة الائتمان، ويتكلف كل منها نحو 25 دولاراً.
ويستطيع كل كمبيوتر ضمن نظام «كريبي دول» التعرف إلى الإشارات اللاسلكية الصادرة عن الأجهزة القريبة التي تستخدم الشبكة ذاتها، كما يلتقط عنوان «ماك»، أو «مُعرف بطاقة الشبكة» الخاص بكل جهاز، وينقل هذه البيانات إلى الخادم المركزي باستغلال إشارات «واي فاي» المتاحة في المكان.
وبحسب «أوكونور»، الذي يدير شركة «مالسي أفترثوت» للاستشارات الأمنية، فإنه يعمل على كل كمبيوتر «كريبي دول» برنامج «كيسمت» الذي يستخدم لمراقبة شبكات الكمبيوتر، وتتبع المعلومات المتدفقة خلالها، وأحياناً للتجسس على المستخدمين، وبالتالي فإن عند تصفح أحد المستخدمين القريبين الإنترنت، أو تشغيل تطبيقات على الهاتف، فإنه يمكن لبرنامج «كيسمت» التقاط معلومات مثل الأسماء، وعناوين البريد الإلكتروني، والنسخة المستخدمة من نظام «آي أو إس» في حال تعاملوا مع تطبيقات معينة ترسل المعلومات عبر الإنترنت من دون تشفير.
وفوق ذلك، يمكن جمع صور المستخدمين في حال زيارتهم لأحد مواقع التعارف الذي يفتقر إلى الاتصال عبر برتوكول «إس إس إل» أو «طبقة المنافذ الآمنة». وتضاف كل هذه المعلومات مثل الصور، والتحركات إلى ملف الشخص، وتنقل لاسلكياً إلى قاعدة البيانات لتظهر على خريطة ثلاثية الأبعاد.
وخلال حوار أجراه الموقع الإلكتروني لمجلة «فوربس»، رفض أوكونور الكشف عن صور للبرنامج المستخدم، أو أسماء التطبيقات، والموقع الذي نجح من خلاله في سرقة بيانات المستخدمين.
ومن المقرر أن يتحدث عن تفاصيل «كريبي دول» أثناء مؤتمر «ديفكون» الأمني الذي ينعقد أغسطس المقبل في مدينة «لاس فيغاس» الأميركية.
وتضمن تصميم «كريبي دول» بعض إعدادات الأمان، التي تجعل من الصعب الكشف عن مصدره أو مالكه، فيعمل على كل وحدة من «كريبي دول»، برنامج «تور» لإخفاء هوية مستخدمي الإنترنت، بهدف منع الوصول إلى موقع الخادم المركزي الذي تصل إليه البيانات، كما تم شراء الأجهزة جاهزة من المتاجر، بحيث لا يمكن الوصول إلى الموردين.
ويأتي «كريبي دول» بعد تجارب وأبحاث عدة على أدوات المراقبة لـ«أوكونور» امتدت عاماً ونصف العام، ومولت بعضها «وكالة مشروعات أبحاث الدفاع المتقدمة» التابعة لوزارة الدفاع الأميركية والمعروفة باسم «داربا».
وكشف أوكونور عن النموذج الأول منها خلال مؤتمر «شموكون»في مدينة واشنطن في يناير 2012، وهو كمبيوتر صغير للتجسس أطلق عليه «إف ـ بومب» يتضمن مجموعة من أدوات الاستشعار، ويمكن إخفاؤه وسط شبكة من أجهزة الكمبيوتر أو استخدامه في «الطائرات من دون طيار»، لجمع البيانات ونقلها لاسلكياً، كما قدم نسخة منه تشبه أجهزة الكشف عن الكربون. ويميز «كريبي دول» محاولته ربط أدوات عدة للتجسس معاً، لتغطية مناطق أوسع مثل أحياء أو مدن صغيرة.
واختبر أوكونور عمل النظام بين منزله ومنازل أصدقاء من دون أن تمتد إلى نطاق أوسع بسبب العوائق القانونية.
وربما تشير البساطة النظرية، وتوافر الأدوات المستخدمة في «كريبي دول»، والمحاولات الشبيهة، إلى سهولة قيام هواة وأشخاص عاديين بمحاولة التجسس والتعدي على خصوصية آخرين.
ويرى أونكور أهمية هذا الجانب، ويقول إن من بين أهدافه لتطوير مثل هذا النظام، إثبات أن الوصول لكثير من التفاصيل، وتهديد الخصوصية ليس حكراً على وكالات الاستخبارات والحكومات، بما تملكه من ملايين ومليارات الدولارات، مشيراً إلى أنه إذا ما اعتقدنا أن المشكلة تأتي من الحكومات وحدها، فإنه لن يمكننا معالجتها. ويعتقد الباحث بأهمية أن يعترف صناع الأجهزة ومطورو التطبيقات والمستخدمون بتوافر إمكانات رخيصة للتجسس، وأن تتغير الأساليب المستخدمة في التصميم، قائلاً :«إذا كان بإمكان كل شخص على سطح الكوكب استعمال تقنيات المراقبة، فإنني اعتقد أن علينا البدء بتصميم أشياء لا تتسرب منها المعلومات في كل مستوى».
وتابع: «نُخلف وراءنا معلومات يمكن أن تتبعها ليس فقط جهات مثل وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة وجهات قانونية، بل يمكن لطفل بأدوات يقل ثمنها عن 500 دولار أن يفعل الأمر ذاته».