وكالة كل العرب الاخبارية : الصدفة وحدها قادتني إلى فضائية الصين «العربية» ففي هذا الشهر الفضيل نضطر في ساعات إنتظار «السحور» المبكر إلى مواصلة التنقل عبر الـ»روموت كونترول» بين الفضائيات والبحث عن جديد بعد أن طفح كيلنا ،كما يقال، من متابعة كل هذه الأخبار والتعليقات والتحقيقات التي توجع القلب عن أوضاع سوريا المأساوية وأوضاع مصر المتأرجحة بين الإستقرار والإنهيار.. وأوضاع تونس وليبيا واليمن وكل هذا بالإضافة إلى مستجدات مسلسلات «القاعدة» التي كلما إعتقدنا انها إنتهت نفاجأ بأنها بدأت مجدداً ومن جديد في نسخة أخطر كثيراً من النسخ السابقة وأشد دموية.
فجأة أخذني الـ»ريموت كونترول» إلى فضائية ما كنت أعرف عنها شيئاً هي فضائية الصين «العربية» (CCTV) فشدني برنامج جميلٌ حول علاقات بين زوجة وزوجها.. كيف بدأت.. وكيف تطورت وكيف تعمق الحب بين الزوجين مع تقدم عمريهما.. وحقيقة وأنا الهارب من المتابعات الإخبارية ،التي فجَّرت رؤوسنا وأنا الذي لم أجد فارقاً بين «العربية-الروسية» و»العربية-الفرنسية» وبالطبع والـ»بي.بي.سي» البريطانية التي كانت كإذاعة أول الحب الإعلامي يوم لم تكن يصلنا من وراء البحور إلاَّ صوت هذه الإذاعة وبرامجها الثقافية الجميلة :»قولٌ على قولٍ» على سبيل المثال، أنني وجدت ما شدني إلى هذه الفضائية الصينية وهو التعريف فنياً وأدبياً وتاريخياً وحضارياً بدولة عظيمة هي الصين الشعبية التي إذا أردنا أن نكون صادقين فإن ماضيها هو ماضي الشرق كله وأن حاضرها هو حاضر هذا الشرق وكذلك مستقبلها الذي بدأ مع بداية الأخذ بالتوجه الذي إنتهجه ذلك المصلح الثوري العظيم دينغ سياو بينغ.
نحن لسنا بحاجة إلى «ناطقة بالعربية» لا روسية ولا هولندية ولا يابانية ولا هندية.. ولا أميركية تكرر كل هذا الضخ الإعلامي التي تواصله فضائيات عربية رسمية وغير رسمية لا يمكن حصر عددها بعد إنفجار العشرة أعوام الأخيرة.. إننا لسنا بحاجة إلى من يعرفنا بأنفسنا وبقضايانا الملتهبة كعرب كما أننا لسنا بحاجة إلى من يطلعنا على آراء الدول «الأجنبية»!! بقضايانا فلدينا من الشاشات ما هو أكثر من «الهمِّ على القلب».. إننا بحاجة إلى من يعرفنا على ما لم نعرفه عن دول عظيمة كالصين ذات الحضارة التي بقيت متواصلة على مدى آلاف السنين وعن إبداعات الشعب الصيني إن سابقاً وإن لاحقاً وأيضاً على الحضارة والثقافة الروسية والهندية واليابانية وأيضاً الأميركية والفرنسية.
وهنا فإنَّ ما كان مفاجأة لي هو أن كل المذيعين والعاملين في الـ(CCTV) إناثاً وذكوراً صغاراً وكباراً شباناً وكهولاً هم من الصينيين المتحدثين بالعربية بطلاقة وهذا هو ما يجعل المشاهد أكثر إندماجاً وإنسجاماً مع كل ما تبثه هذه الفضائية وبخاصة بالنسبة للبرامج «الدرامية» والفنية التي تكشف لنا كم أن الصين عظيمة في كل شيء وكم أن الإنسان الصيني مبدع ٌ فعلاً وكم أن مفردات لغتنا ،لغة الضاد، تبدو جميلة وهي تخرج من بين شفاه فتياتٍ جميلات يزيدهنَّ جمالاً عدم التصنع والإنطلاق بعفوية تجعلهنَّ أقرب إلى المشاهد حتى وإن كان عمره قد إقترب من المائة حولٍ وأكثر.
أنا من ذلك الجيل الذي تعرف على الصين من خلال :»المسيرة الطويلة» ومن خلال ما كنا نسمعه ونقرأه عن ماوتسي تونغ وعن «الثورة الثقافية» وعن عصابة الأربعة وعن السور العظيم وعن الصراع بين الحزب الشيوعي الصيني ،الذي لا يزال مستمراً في مواصلة البناء في هذا البلد العظيم، وبين «الكومنتانغ» الذي مَثَّل ،حسب رأينا وحسب آراء «رفاقنا» الصينيين، القوى المعادية للثورة..
لقد زرت هذا البلد ،الذي أحببته وأحببت أهله والذي تعلقت بحضارته وثقافته وبموسيقاه وإبداعاته الحلوة الجميلة، مرات عدة وفي كل مرة أكتشف أنني لا أعرف عنه شيئاً وأنني بحاجة لأعرف عنه حتى القليل من الكثير ربما إلى ألف زيارة وزيارة.
كنت قد قرأت إنطباعات لأديب إيطاليا الكبير ألبيرتو مورافيا بعد أول زيارة له إلى بكين قال فيها أنه ذات صباح مبكر قد خرج إلى شرفة غرفته في فندق «الصداقة» الذي يطلُّ على الشارع الرئيسي المفضي إلى ساحة :»تيان آن مِن» وأنه للوهلة الأولى ظن أنه يرى نهراً عظيماً كبيراً قبل أن يكتشف أن هذا النهر هو عشرات الألوف من لابسي ثياب العمال الزرقاء وراكبي الدراجات الهوائية المتوجهين إلى أعمالهم في ساعة مبكرة.. وحقيقة أنَّ هذا ما حصل معي عندما كنت في أول زيارة إلى هذا البلد العظيم وإلى هذه العاصمة الخالدة في عام 1981 وعندما أفقت باكراً وخرجت إلى شرفة غرفتي في الفندق الذي كنت أقيم فيه ذات صباح نديّ فرأيت ما كان رآه الكاتب الإيطالي المُلْهم وحَسِبْتُ ما كان حَسِبه بالضبط.
إنها ذكريات قديمة نَفَضَتْ عنها غبار السنوات البعيدة فضائية الصين العربية (CCTV) التي أصبحْتُ أهرب إليها كلما أحسست بصداع سببه المتابعات الإخبارية لكل هذا الذي يجري في منطقتنا العربية.. وهنا فإنني أذكر كيف أنني ومعي رفيق الدرب ميشيل النمري ،الذي فقدته وفقدناه مبكراً، ومعنا بعض الرفاق الإيطاليين الذين إلتقيناهم في مدينة «بيروجيا» ونحن في طريقنا من تونس إلى بيروت كيف تلقينا نبأ وفاة ماوتسي تونغ في عام 1976 وكيف حزنَّا حُزناً شديداً في تلك الليلة الطويلة التي فقدنا فيها ما كنَّا نعتقد أنه كان من بين قلة قليلة من أهم قادة العالم.. وفي النهاية فإنني لا أملك إلاَّ أنْ أقول :»شاهدوا العربية الصينية».