وكالة كل العرب الاخبارية:
مع اقتراب كل عام دراسي جديد، تتصاعد شكاوى الأهالي من ارتفاع أقساط المدارس الخاصة، فيما تزداد حدة الشكاوى من قبل الذين قطع أبناؤهم شوطا كبيرا من دراستهم في هذه المدارس ولم يعد بوسعهم التكيف مع أجواء مدارس أخرى.
وفي هذا الصدد، تروي سلمى عامر لـ"الغد" قصة نقل ابنها الى مدرسة خاصة تتناسب مع الدخل السنوي للأسرة، قائلة: "قلة الدخل، وارتفاع أسعار الاقساط المدرسية، حالا دون إكمال ابني عمر لدراسته في احدى المدارس الخاصة".
والسبب نفسه هو ما اضطر سهام رشيد للجوء إلى هذا الخيار، عندما نقلت ابنتيها نادية ورهام الى مدرسة حكومية هذا العام، بعد ان قامت مدرستهما الخاصة بزيادة قسطها السنوي بمقدار 200 دينار، بحيث وصل مجمله إلى 2750 دينارا.
وقالت رشيد إن رفع الأسعار يتم بطرق مباشرة وغير مباشرة، منها دفع أولياء الأمور بدل حجز مقعد للعام الدراسي الجديد، بدون أن يخصم من القسط المدرسي، فضلا عن استيراد كتب أجنبية غير مقررة بمبالغ خيالية، ودفع مبالغ كبيرة بدل أنشطة مدرسية، إضافة إلى أسعار الزي الرسمي المقرر.
وحول ما يجري في المدارس الخاصة من رفع للأسعار، قال مدير إدارة التعليم الخاص في وزارة التربية والتعليم فريد الخطيب، إن الوزارة شكلت مؤخرا لجنة لإيجاد نظام للتعليم الخاص.
وأضاف الخطيب لـ"الغد" أمس، إن الوزارة تعمل حاليا على إيجاد آلية لتعيين الحدين الأدنى والأعلى للرسوم، من خلال تصنيف المدارس الخاصة، موضحا أن اللجنة التي شكلتها الوزارة من إدارة التعليم الخاص ونقابة المعلمين وعدد من مديري المدارس سيعملون على إيجاد تشريعات ناظمة للقطاع الخاص.
بدوره، أكد المهندس سليم العمري، وهو أب لثلاثة طلاب، أن الأعباء الإضافية المصاحبة للنفقات الدراسية، على غرار الكتب والقرطاسية، والزي المدرسي، تتزايد باستمرار، ما يجعله في حالة من "التشتت وعدم التركيز"، لافتا إلى أن الارتفاع المستمر في أقساط المدارس، يشكل "عبئا" إضافيا كبيرا على جميع الأهالي.
وأشار العمري إلى أنه اضطر منذ عام إلى نقل أولاده من مدرسة خاصة إلى حكومية، نظرا لدخله المحدود، وارتفاع الأقساط بمقدار150 دينارا للطالب الواحد عن السنة الماضية.
ويرى أن بعض أصحاب المدارس الخاصة "يستغلون أولياء الأمور، فيرفعون الرسوم سنويا على نحو كبير"، لافتا إلى عدم وجود تشريع أو قانون يسمح لوزارة التربية بالتدخل والتحكم في أسعار أقساط المدارس.
ويقول العمري: "كنت أدفع نحو 1000 دينار كأقساط لأبنائي في المراحل الأولى، لكني فوجئت عندما تأهل ولدي ابراهيم للصف الخامس، بأن قسطه وحده يبلغ 1500 دينار، ما دفعني لنقل أبنائي لمدارس حكومية، رغم انني كنت متيقنا من مقدرتهم على إكمال مشوار تميزهم فيها".
ويضيف: "تمكنت من تقوية عظام أولادي في الدراسة الخاصة، واليوم أترك البقية لهم، فالأوضاع الصعبة التي أعيشها ويعيشها الغالبية لا تسمح بدفع أقساط باهظة على هذا النحو".
وفيما يشيد حسام صبري، بالدراسة في المدارس الخاصة، مؤكدا تفوقها، على نظيرتها الحكومية، يشير إلى انزعاجه من التكاليف المرتفعة التي تكبدها جراء تدريس ولديه معتز وندين في إحدى المدارس الخاصة شرقي عمان، معتبرا "أن غياب المساءلة والأسس الواضحة لرسوم وأقساط المدارس الخاصة، جعل منها سوقا، حيث تختلف كل مدرسة عن غيرها في السعر، بحسب أهواء ومزاجية إدارتها"، متمنيا على الوزارة أخذ هذه الأمور في الحسبان، وإلا فإن المدارس الخاصة ستكون "حكراً على أبناء الطبقة الغنية فقط"، وفقا لصبري.
بدورها تؤكد سناء حامد، أن بداية العام يشكل هما وقلقا لها ولأسرتها، لما يتطلبه من نفقات تبدأ بالأقساط المدرسية، والكتب، والملابس، ما يعني ارتفاع حجم المصاريف اليومية، مشيرة الى أن ارتفاع الأقساط بدأ يزيد من قلقها وتوترها، كونها تجهل حتى الآن كيف ستؤمن القسط المدرسي الجديد، لا سيما أنها موظفة وراتبها محدود، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة الحالية.
وأوضحت حامد أنها نقلت أبناءها الثلاثة إلى مدرسة خاصة، بعد أن يئست من واقع التعليم "المؤلم" في المدارس الحكومية، مشيرة إلى أن إدارة المدرسة تتقاضى عن الطالب 550-650 دينارا بدل مواصلات.
وتتساءل لمن تشكو همها، معتبرة أن "وزارة التربية تعيش في عالم آخر، ومغيبة تماما عن واقع قطاع التعليم".
من جانبه، يقول أبو فراس، وهو موظف في أحد البنوك، إن لديه ابنتين في المدارس الحكومية، وولدين في الخاصة، وإنه نقل بناته إلى "الحكومية" بعد أن فوجئ بالارتفاع الكبير للرسوم، معتبرا أن التعليم في "الخاصة" لا يختلف كثيرا عما تقدمه "الحكومية"، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن "الخاصة" توفر للطلبة بيئة "أكثر أمنا"، ما يمنحه الراحة والطمأنينة، لاسيما أن أبناءه في أعمار صغيرة.
بدوره، طالب رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور محمد عبيدات الحكومة بضرورة التدخل الفوري والسريع، من خلال وزارة التربية، لوضع حد لما أسماه "التغول" الذي تمارسه إدارات الغالبية العظمى من المدارس الخاصة، بهدف جني المزيد من الأرباح على حساب جيب المواطنين، مؤكدا أن الظروف المعيشية للمواطنين لا تحتمل المزيد من الأعباء المالية.
واقترح عبيدات تشكيل لجنة تضم اطراف المعادلة (الحكومة ونقابة اصحاب المدارس الخاصة وجمعية حماية المستهلك)، لبحث هذه القضية المهمة، بهدف اقتراح الحلول المتوازنة والعادلة التي تحفظ حقوق الأطراف كافة.
وأكد أن رسوم المدارس الخاصة مرتفعة أصلا ويجب تخفيضها، مشيرا إلى أن هذه المدارس قامت خلال السنوات الماضية برفع أقساط اجور النقل بحجة ارتفاع أسعار المحروقات، على الرغم من تثبيت أسعارها منذ منتصف العام الماضي، وفق عبيدات.
وأوضح أن "حماية المستهلك" لن تدخرا جهدا وبشتى الوسائل المتاحة لكبح جماح هذا "التغول غير المبرر الذي تمارسه ادارات بعض المدارس الخاصة على مرأى ومسمع جميع المسؤولين في وزارة التربية، لا سيما ادارة التعليم الخاص التي أكدت مرارا انها بصدد اعداد دراسة لتصنيف المدارس الخاصة إلى فئات وتحديد الرسوم لها وفقا لأسس واضحة، إلا أنه بات واضحا أن الأمواج اقوى منها، علما أن بعض المسؤولين في الوزارة هم إما مشاركون أو مالكون لبعض هذه المدارس"، بحسب عبيدات.
بيد أن نقيب أصحاب المدارس الخاصة منذر الصوراني يؤكد أن النقابة ليست طرفا في رفع أو تخفيض رسوم المدارس الخاصة، وأن القرار يتعلق بالمدرسة نفسها، مؤكدا ان النقابة لا يحق لها فرض قرار على المدارس الخاصة بشأن الأقساط، كون الانتساب للنقابة اختياريا وليس إلزاميا.
وأضاف الصوراني إن موضوع الاقساط يمثل "علاقة تعاقدية قابلة للرفض والقبول بين ولي أمر الطالب والمدرسة"، وان امام ولي الامر الخيار لاختيار اي مدرسة، لافتا الى ان عملية رفع الأقساط مرتبط بالتكاليف التشغيلية والمستجدات والمطالب التي تفرض على المدارس، كتعديل الحد الأدنى للأجور، وارتفاع سعر الأراضي ورسوم التراخيص.
من جانبها، أوضحت رئيسة لجنة التعليم الخاص في نقابة المعلمين عبير الأخرس، أن النقابة تعمل مع الوزارة على إيجاد نظام للتعليم الخاص، مبينة أن هناك قانونا في الوزارة يعنى بالتعليم الخاص، غير أن نظامه معطل منذ العام 1996، على الرغم من تزايد أعداد المدارس الخاصة.
ولفتت الأخرس إلى أهمية إجراء تعديلات وإضافات على بعض الأنظمة الداخلية بما يتناسب مع الوضع الراهن.
وبينت أن المادة 32 (ب) من قانون الوزارة، تنص على: "تصنف المؤسسات التعليمية الخاصة إلى فئات، يحدد لكل منها الحد الأعلى للرسوم والأجور التي تتقاضاها، والحد الأدنى لرواتب المعلمين، وفق معايير خاصة يحددها نظام يصدر لهذه الغاية"، مشيرة إلى ضرورة إيجاد نظام منبثق عن هذا القانون.
وأوضحت الأخرس أن خروج هذا النظام للنور، لا بد أن يمر بمراحل متعددة تبدأ بموافقة رئاسة الوزراء، فديوان التشريع والرأي، وأنه ينبغي على الوزارة وضع أطر عريضة للنظام لتفعيله، لأنه يحل مشكلات هذا القطاع المتعلقة بتصنيف المدارس وتحديد الحد الأدنى لأجور المعلمين، مؤكدة أن هذا النظام من شأنه أن يعمل على إصلاح الوضع العام للمدارس الخاصة، كونه لا توجد منظومة وطنية تشملها جميعا.