وكالة كل العرب الاخبارية :
في الدولة العربية المعاصرة، ونتيجة لغياب الأحزاب الفاعلة وبخاصة في المشرق العربي، كان لا بدّ للدولة أن تكون مجموعة واسعة من الكوادر التشغيلية التي تعمل في المؤسسات الخدمية العامة من بنوك وجمعيات أو شركات أو مصارف ومدارس وجامعات، هذه المجاميع شكلت القوى البشرية المشتغلة بالقطاع العام، وما حدث في الأردن شابه ما حدث في دول أخرى، فعلى الرغم من تبنيه سياسة اقتصادية منفتحة وليبرالية رسميا، إلا ان تدخل الحكومة في الاقتصاد كان كبيرا جدا، كما أن النشاط الصناعي كان يتم برعاية الدولة أيضا، بمعنى آخر كان توسع الدولة في الميدان الاقتصادي يعني الكثير من العقلانية؛ لأنها مع مرور الزمن اوجدت جهازا بيروقراطيا محكما، وهذا في النظريات السياسية يعد منجزاً للدولة.
في دراسته حول المجتمع والسياسة وتضخيم الدولة العربية في الشرق الأوسط، يرى نزيه الأيوبي أن هناك أربعة مؤشرات يقاس بها النمو البيروقراطي وهي: ازدياد عدد الوحدات الإدارية، وازدياد عدد الموظفين الحكوميين والانفاق الحكومي الجاري وازدياد أجور ورواتب الموظفين، وهكذا عند دراسة مدى النمو البيروقراطي لا يمكن استثناء هذه المعايير للحكم على قوة وتوسع الجهاز البيروقراطي في الدولة، ولا يعني هذا أن مثل هذا النوع هو حكرا على الدولة ذات الحكم الملكي أو الأميري كما في دول الخليج، ففي مصر أيضا يمكن القول أن أكبر جهاز بيروقراطي في الشرق الأوسط هو الذي كان موجودا فيها، والذي انكشفت أهميته خلال ما سمي بحقبة الربيع العربي، وكان واضحا أهمية هذا الجهاز من الحفاظ على الدولة ومؤسسات كي لا تنهار.
في جميع الأحوال يمكن القياس على كل الدول العربية بذات المقاربات نفسها باتجاه البقرطة، ففي كل دول المنطقة هناك محاولات جادة لإنماء الجهاز البيروقراطي في الدولة وإدخال الناس فيه، وهذا ما تقوم به بعض دول الخليج التي تشجع على إحلال مواطنيها في أجهزتها الحكومية بدلا من المغتربين، لا بل أصبح إحلال الكفاءات والقوى الوطنية في بعض الدول مطلبا أمنيا للحفاظ على التوازن وفاعلية أجهزة الدولة أمام أي تحدي مستقبلي.
حسب احصائيات البنك الدولي وبين عامي 1986-19990 فإن الوظائف الحكومية مثلت ما نسبته 17% من اجمالي الوظائف في الأردن وكانت آنذاك في مصر 17،5% والأردن بحسب تلك الإحصائيات يحتل المرتبة العليا حيث أن نسبة 47% من قوته البشرية تعمل في القطاع العام مقارنة مع 35% في مصر. أما اليوم فالوضع يكاد يكون فيه الأردن في نفس المستوى فالدولة تمثل المشغل الأكبر مع مشاركة معقولة للقطاع الخاص، وهذا ما يجعل الجهاز البيروقراطي بمثابة الحزب الأكبر الفاعل والعامل في قطاعات الصناعة والنقل والموارد الطبيعية والتجارة والمال، والإعلام. ومعنى هذا أن حالة الخصخصة لم تخرج البقرطة من يد الدولة، وهذه القوة للجهاز البيروقراطي تظل تمثل حزب الدولة الكبير الذي يحفظ لها الفاعلية والتغلغل داخل المجتمعات وممارسة السلطة وتمكينهم من احتياجاتهم، ذلك هو الحزب الوحيد عملياً في الأردن.
Mohannad974@yahoo.com