المزيد
ذكريات.. سينمائية !

التاريخ : 26-10-2013 |  الوقت : 12:41:10

وكالة كل العرب الاخبارية : أعتقد أن هناك أفلاماً سينمائية بسيطة القصة عميقة الفكرة، تبقى راسخة في الذاكرة امداً أطول بكثير من افلام ضخمة الانتاج سطحية المغزى، وقد عزز هذا الاعتقاد ما كتبه جلال أمين في (الشروق المصرية) ونشرته (الرأي) في 10/10/ 2013 عن الفيلم السعودي (واجدة) وقال انه بعث في نفسه سروراً غامراً وهو أول فيلم ألفته واخرجته وكتبت السيناريو له سيدة سعودية هي هيفاء المنصور وجرى تصويره في بلدها التي ليس بها حتى الآن دار واحدة للسينما ! وقال إنه ذكرّه بفيلم ايطالي قديم أخرجه فيتوريو دي سيكا منذ نحو سبعين عاماً بعنوان (سارق الدراجات) وهو يعتبر حتى الآن من افضل ما قدمت السينما العالمية، وبالمصادفة فقد حضرتُ هذا الفيلم في اوائل الخمسينات في سينما اوديون بالقاهرة حين كانت موجة السينما الايطالية الواقعية قد بدأت تجتاح العالم وتبهر الناس بقصصها الاجتماعية ذات الابعاد السياسية والاقتصادية التي قد يحس المشاهد أنها تعكس جانبا من حياته فيتخيل انه يشبه واحداً من شخوصها العديدين اذ ليس في تلك السينما أبطال خارقون على طريقة الافلام الاميركية بل أناس بسطاء من سكان الشوارع الفقيرة كالتي كان يجوبها رجل (وابنه) في الفيلم بحثاً عن دراجته المسروقه وفي احدى اللقطات المعبرة يضطر الصبي المنهك من طول المشي وبعدما امتلأت مثانته أن يسرع الى أقرب جدار منزوٍ مكتوب عليه (لا تبول هنا) ويبول عليه ثم يواصل مع والده رحلة اللاجدوى!
لم تمح كل هذه السنين من ذاكرتي وقائع أفلام أخرى اخرجها فيتوريو دي سيكا وطبعت بصماته واضحةً على صفحات تاريخ السينما الايطالية، ومنها (غداً يكون الوقت قد فات) الذي تناول بجرأة صادمة مشكلة العلاقة المضطربة بين الاجيال حيث تختل شخصية المراهقين من البنات والابناء بسبب التشدد الغبي من قبل الآباء، ولا أخال الأمر قد تغير كثيراً في مجتمعات عديدة أخرى!
لقد ساهمتْ السينما الايطالية بالابيض والأسود في تلك الأيام بقسط لا يستهان به من تشكيل فكرنا الاجتماعي والسياسي فقد قدمت لنا صوراً موجعة من حياة شعب أوروبي ينتمي مثل شعوبنا لحوض البحر الابيض المتوسط وكان قد خرج لتوه من حرب طاحنه قاده إليها الزعيم الفاشي موسوليني الذي كانت نهايته على ايدي رجال ونساء المقاومة بعد أن أوصل وطنه الى حالة يرثى لها من الدمار وترك الايطاليين يعانون الفقر حد الجوع وفوق ذلك تحيق بهم أخطار التفكك الأسري.. 
لا يجوز لي في هذه الذكريات السينمائية أن اغرقكم في الصورة القاتمة، فلقد عُرضت في ذلك الزمان افلامً ايطالية أخرى أضحكتنا كافلام الكوميدي الساخر توتّو الذي كنا نشبّهه بنجيب الريحاني أو أنعشت قلوبنا بالأمل في انتصار الصدق والحق رغم شح المال وحطمت لدينا اسطورة السعادة الزائفة التي يوهمنا بها الكثير من الافلام الاميركية، وأصبحنا نرى ونحب نماذج مختلفةً من الممثلين ليسوا بالوسامة المصطنعة كالتي كنا نراها في النجوم الاميركيين (الملمّعين) روبرت تايلور وتيرون باور وكلارك غيبل ولا بالشجاعة المفتعلة عند جون وين وهمفري بوغارت وغاري كوبر خصوصاً حين يقتلون الهنود الحمر! ولقد أعجبتنا كذلك أيما اعجاب الممثلات اللواتي لجمالهن مسحة شرقية أخاذة وفي ادائهن إقناع بلا تكلف وفي أسمائهن موسيقى تنساب في الاسماع كجينا لولو بريجيدا وصوفيا لورين وانتونيلّا لوْالدي وأناّ ماريّا فيريرو ثم الحسناء الفاتنة ذات الاغراء الطاغي سيلفانا مانغانو ومن منا ينسى فيلمها المثير (الأرزالمر) الذي يصوّر شقاء العاملين والعاملات في حقول الارز وقد شاركها فيه فيتوريو غاسمان الذي خطف يومئذ أفئدة الاميركيات كما الاوروبيات فاختطفته هوليود وانتجت له فيلمه المشهور (رابسودي) مع اليزابث تايلور!
وبعد.. مازلنا نعتبر السينما (الجيدة) ركنا هاما من اركان الثقافة لكن الشركات الاميركية عابرة القارات للانتاج والتوزيع تحتكر الآن معظم اسواقها العالمية فتضيقّ على الافلام الاوروبية او الأسيوية أو الافريقية وحتى بعض الافلام المشتركة الجيدة حين تتجرأ بالخروج على سياستها وهيمنتها كأفلام كوستا غافراس التي ربما تذكرون منها فيلم Z ثم فيلم Missing لجاك ليمون ويأتي الآن فيلم (Money is the Master Capital) وبذلك تحرمنا الشركات الاميركية من تلك الروائع فلا نكاد نعثر عليها إلا مسروقة في اقراص مدمجة أو يراها عدد محدود منا في بعض نوادي السينما أو مهرجانات الافلام المتخصصة!



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك