وكالة كل العرب الاخبارية : لم أعد أذكر ،بالضبط، أيُّ سنة كانت تلك، ولكنني أعتقد أنَّ ذلك كان في نهايات خمسينات القرن الماضي أو في بدايات ستيناته وكنت في تلك الفترة أحد طلبة «المدرسة الإعدادية» التي أصبح إسمها ،بعد مذبحة تموز عام 1958 في العراق، :»كلية الملك فيصل الثاني» المعروف أنها تابعة لـ»الجيش العربي» وربما أن غير المعروف للكثيرين أنه لولاها فلما أستطعت لا انا ولا غيري من الكثيرين من أبناء مجتمعاتنا الريفية والبدوية قطْع ولو خطوة واحدة على طريق التعليم بعد المرحلة الإبتدائية.
كان موقع هذه المدرسة التي كلما أذكرها وأذكر تلك الأيام الحلوة التي أمضيتها فيها،وكانت من نهايات الصف الخامس الإبتدائي حتى التوجيهي، أذْكر أستاذنا ومعلمنا الكبير أطال الله عمره عبد المجيد المهدي النَّسعة وأذْكر أحمد إرشيد وعيسى مصلح وعيسى الكرادشة وأسامة المفتي.. كان موقع هذه المدرسة التي أصبح إسمها كلية الملك فيصل الثاني مقابل مبنى قصر العدل الحالي وعلى وجه التحديد في المكان الذي أقيمت فوقه المطابع العسكرية وكان عدد طلابها في ذلك الحين لا يتجاوز المائتين وجميعهم بدون إستثناء ينضوون في القسم الداخلي الذي يتّبعُ النظام المتبع في معسكرات القوات المسلحة-الجيش العربي.
كنا نتقاضى راتباً شهرياً مقداره ربع دينار فقط لا غير وكنت ومعي عدداً قليلاً من الأصدقاء قد إتفقنا على توفير هذا المبلغ «الطائل» ليوم إفتتاح الدورة العادية لمجلس النواب الذي كان يوم إفتتاحه عطلة وطنية.. وهكذا فقد إتجهنا باكراً مشياً على الأقدام عبر جبل اللويبدة إلى وسط «البلد» حيث مطعم هاشم والبريد المركزي وكان أستوديو المصور خلف ومن هناك تسلقنا طلْعة جبل عمان إلى مبنى المجلس النيابي الذي لا يزال قائماً في جوار نادي الملك حسين في الطرف المقابل للكلية العلمية الإسلامية من الشارع الذي كان ينتهي في ذلك الحين بعد الدوار الثاني بقليل.
كان ذلك اليوم ماطراً وشديد البرودة لكن ورغم ذلك فقد أمضينا نحو ساعتين وقوفاً على الرصيف المقابل لمبنى البرلمان ،الذي كان «مزداناً» كبيت شعر فرحٍ من أفراح ذلك الحين الجميلة والبسيطة ننتظر موكب جلالة الملك حسين الذي لو بقينا نسأل الله أن يُمطر تربته الطاهرة بشآبيب رحمته حتى يوم القيامة فلما أوفيناه بعض حقوقه علينا وكانت إلى جانبنا مجموعات من الأردنيين الذين بدوا في ذلك اليوم الماطر كضمم زهورٍ برية والذين كانوا يرددون حداءً بدوياً متوارثاً في هذه البلاد منذ قبل أن «تَقوم» ناقة النبي صالح صلوات الله عليه.
أقبل الموكب ببساطته وطلته الوقورة والبهية فأستقبله المنتظرون بالزغاريد والأناشيد وبإرتفاع الحداء الذي لا تزال ذاكرتي تحتفظ بلحنه وببعض كلماته وما أنْ وصل محاذات مدخل البرلمان حتى ترجل من إحدى مركباته الملك حسين وهو يرسم إبتسامة على وجهه الصبوح خلتها كأول اشراقة شمس ذلك اليوم الغائم الممطر.. لقد رفع يده عالياً ولوَّح قبل الولوج إلى الداخل للذين كانوا ينتظرون على الرصيف المقابل وشعرت وكأنه كان يقصدني بتلك المكرمة مع أنه بالتأكيد كان يقصد الجميع الذين بالتأكيد أيضاً قد شعر كل واحدٍ منهم بالشعور الذي ساورني.
كانت هذه المرة الأولى التي إقتربت فيها من الملك حسين إلى هذا الحد أما المرة الثانية فكانت عندما أفلتت طائرته من مطاردات المقاتلات «العربية»!! التي تصدت لها وهي تمر عبر أجواء «إخوتنا في الشمال».. وكنت أحد مجموعة من طلبة مدرستنا الصغار الذي هرعوا إلى القصور الملكية في لحظة تدفقت فيها عواطف الأردنيين كأمواج متلاطمة.. وهناك على الدرج الغربي لمدخل القصر وقف رحمه الله وقال وهو يضع كف يده على رأس أحد زملائنا الصغار :..لا تحقدوا يا أبنائي على الأمة العربية العظيمة.. إنَّ هؤلاء الذين فعلوا هذه الفعلة.. ليسوا عرباً وإن كانوا يتحدثون باللغة العربية».. لقد كان ذلك في عهد عبد الحميد السراج الذي توفي قبل أيام رحمه الله.