المزيد
وقد كتب شوقي نثراً !

التاريخ : 09-11-2013 |  الوقت : 10:28:03

وكالة كل العرب الاخبارية : بعث لي صديق بمقال كتبه أمير الشعراء احمد شوقي من دون ذكر تاريخه أو الصحيفة التي نشرته وقد استمتعت به كمخطوطة فريدة لهذا الشاعر الذي لم أقرأ له نثراً من قبل فقد تعودنا أن نقرا شعره العظيم وأن نسمع أم كلثوم تشدو بأبياته فنطرب أيما طرب أو نهتز لصوت عبد الوهاب وهو يثير فينا المشاعر الوطنية بقصيدة مثل (سلام من صبا بردى أرق .. ودمع لا يكفكف يا دمشق). ولإعطاء القارئ فكرة عن اسلوبه انقل ما بدأ به مقاله: (الحمد لله الذي علم البيان وجعله أثرا من روحه عند الانسان والصلاة والسلام على نبي الأمة القائل إن من الشعر لحكمة، اما بعد. فما زال لواء الشعر معقوداً لأمراء العرب واشرافهم. وما برح نظمه حبيبا الى علمائهم وحكمائهم يمارسونه حق المراس ويبنون كل بيت منه على أمتن اساس. موفينَ إجلالهَ حافظين خلاله. مُدْنينَ الى الاذهان خياله قاله امرؤ القيس واصفا وحاكيا وضاحكا وباكيا وناسبا وغازلا وجدا وهازلا. وجمع شمله بحيث تعد المنظمومة الواحدة له أثرا في البيان مستقلا وبنيانا قائما برأسه. ونظمه ابو فراس فخرا عاليا ونسيبا غاليا وحِكَماً باهرة وأمثالا سائرة. لكنه لم يقله فوضى ولا قرب في نظمه الخلط فان قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها: اراك عصي الدمع شيمتك الصبر.. اما للهوى نهى عليك ولا أمر. ليست الا عقدا توحدَ سلكُه وتشابهتْ جواهره ودق نظامه. تعاونت فيه ملكة العربي وسليقة الشاعر على حسن الحكاية. فاذا فرغت من قراءتها فكأنك قد قرات أحسن رواية وهذا وكونها اشبه شيء بالشعر في شعور الأنفس هما سر بقائها متلوة الى الابد. وكان ابو العلاء يصوغ الحقائق في شعرهِ ويوعى تجارب الحياة في منظومهِ ويشرح حالات النفس ويكاد ينال سريرتها ومن تأمل قوله من قصيدة: فلا هطلت على ولا بأرضى == سحائب ليس تنتظُم البلادا. وقابَلَ بين هذا البيت وبين قول ابي فراس: معللتي بالوصل والموت دونه == اذا مت ظمآنا فلا نزل القطْر). فأثنى على إيثار الأول وغمز من أثرة الثاني.
وقد مضى بعد ذلك الى مواضيع أخرى فكان لينا رفيقاً ببعضها وشديداً صارماً ببعض آخر وأدلى بدلوه في جدلية الشعر والنثر والمقدرة على إجادة أي منهما أو كليهما معاً وأهمية (الملكة الموهوبة) في الحالتين. وحين تحدث شوقي عن نفسه فبتواضع شديد وبعد تردد بَانَ فيه خجله (... سمعت أبي رحمه الله يرد اصلنا. الى الاكراد فالعرب ويقول ان والده قدم هذه الديار يافعا يحمل وصاة من احمد باشا الجزار الى والى مصر محمد على باشا وكان جدي وانا حامل اسمه ولقبه يحسن كتابة العربية والتركية خطاً وانشاءً فادخله الوالى في معيته ثم تداولت الايام وتعاقب الولاة الفخام وهو يتقلد المراتب العالية ويتقلب في المناصب السامية الى ان اقامه سعيد باشا امينا للجمارك المصرية فكانت وفاته في هذا العمل عن ثروة راضية بددها ابي في سكرة الشباب ثم عاش بعمله غير نادم ولا محروم وعشت في ظله وانا واحدُهُ اسمع بما كان من سعة رزقه ولا اراني في ضيق حتى اندب تلك السعة فكأنه رأى لي كما راى لنفسه من قبل الا أقتات من فضلات الموتى. اما جدي لوالدتي فاسمه احمد بك حليم ويعرف بالنجدة لي نسبة الى نجدة احدى قرى الاناضول وفد على هذه البلاد فتيا كذلك فاستخدمه والى مصر ابراهيم باشا من اول يوم ثم زوجه بمعتوقته جدتي التي أرثيها في هذه المجموعة وأصلها من مورة جُلبت منها أسيرةَ حرب لا شراءً..) وينتهى الى القول: (أنا اذاً عربي. تركي. يوناني جركسي بجدتي لابي. أُصولٌ أربعة في فرعٍ مجتمعة. تكفله لها مصر كما كفلت أبويه من قبل. وما زال لمصر الكنف المأمول والنائل الجزل. على أنها بلادي وهي منشأى ومهادي. ومقبرة اجدادي. ولد لي بها أبَوان ولي في ثراها أب وجدّان. وببعض هذا تُحَبّب الى الرجال الاوطان. اما ولادتي فكانت بمصر القاهرة وانا اليوم احبو الى الثلاثين..).
وبعد.. فهذه الكلمات القليلة الموحية التي عبر بها شوقي قبل اكثر من مائة عام عن انتمائه لوطنه مصر الذي نعرف جيداً أنه لم يتزعزع قط تجعلنا نتساءل في خجل: كيف لا يزال بين ظهرانينا من لا يفهمون المغزى العظيم للدولة المدينة.. دولة كل المواطنين بلا أدنى إشارة للدين أو الجنس أو العرق؟.



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك