|
استبداد النخبة
![]() وكالة كل العرب الاخبارية : يصر عدد كبير ممن يتصدرون المشهد السياسى على الفصل التام ما بين قضايا الحريات، وقضايا الخبز، باعتبارهما قضيتين منفصلتين، مع إشارات مستترة أحيانا، واضحة فى غالب الأحيان، إلى أن الخبز ضرورة عاجلة وقضية ملحة، على العكس من الحرية، التى يمكن اعتبارها من الرفاهيات فى أوقات يهيمن فيها الفقر ويبسط نفوذه، بالرغم من أن معظم الكتابات، بل وتجارب الشعوب، تثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن الحرية هى الطريق السالكة نحو توفير الخبز ومقاومة الفقر والقضاء عليه، إلا أن ثقافة الاستبداد المهيمنة على المشهد السياسى فى مصر تحاول نفى مثل تلك الأفكار، وأحيانا تتعداها لفكرة أن الشعب ليس ناضجا بما فيه الكفاية لممارسة الحرية كما قال أحمد نظيف رئيس الوزراء الأسبق (قبل الثورة) أو كما ذكر عمر سليمان رئيس المخابرات العامة السابق (بعد الثورة) أن الشعب المصرى غير مستعد للحرية الآن، وكأن الحرية عبء على الشعب المقهور الذى خرج مطالبا بها وثائرا على منعها، وإذا كان ذلك مقبولا من رجال سلطة، أو من رجال حول السلطة، فإنه يصبح غير مقبول على الإطلاق من الذين تصدوا للحديث باسم الجماهير الثائرة، أو من الذين يعتقدون أنهم رجال مرحلة ما بعد الثورة. ورغم الجهود الطيبة، التى بذلتها لجنة الحقوق والحريات فى استحداث مواد جديدة لدعم الحريات العامة، فإن اتجاهات النقاش حول بعض قضايا الحريات داخل لجنة الخمسين، تكشف عن استمرار عقيدة عدم نضج الشعب، أو عدم استعداده لممارسة الحرية، عند الكثيرين الذين كنا نحسبهم مقاتلين من أجل إطلاق الحريات، وأعتقد فعلا أن الشعب قد تجاوز نخبته وصار أكثر تمسكا بالقيم الأساسية للحريات، من الذين يدعون أنهم أبطالها، ولا يوجد دليل أفضل من المناقشات التى دارت حول محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، سواء النقاشات العلنية، أو تلك التى دارت فى غرف مغلقة، واعتبرها البعض سرية، فالاتجاه الغالب ــ للأسف الشديد ــ مع استمرارها، فى مواجهة أقلية ترفضها جملة وتفصيلا، حتى أن القضية برمتها تأجل حسمها أكثر من مرة، ولا أريد الوقوف عند فكرة المحاكمات العسكرية فى حد ذاتها، بقدر ما أريد أن أتوقف عند عدم الانحياز الواضح لقضايا الحريات عند نخب كنا نعتقد أنها رأس حربة الهجوم على معارضيها، كما كنا نعتقد أن تعديلات هذا الدستور ستأتى لإزالة عورات دستور ٢٠١٢، الذى منح الاستبداد الفرصة الكاملة لاستئناف نشاطه، وهو ما اعترض عليه الشعب، وربما كان دافعه الأكبر للخروج فى ٣٠ يونيو الماضى. المسودة التى بين يدينا، بشأن الحقوق والحريات، جيدة إلى حد كبير وتعكس تطورا وتقدما واضحا فى إتاحة الحريات العامة، خاصة التفات هذه المواد إلى قضايا التعذيب، والتمييز، والإضراب والتظاهر، وحقوق الإنسان والأطفال، ولا أبالغ إذا قلت إنها تمثل نقلة كبيرة فى تاريخنا الدستورى، لكن الأزمة التى تنذر بالخطر، النقاشات التى دارت حول إقرار هذه المواد، سواء داخل لجنة الخمسين، أو خارجها، فهى تكشف مقاومة عنيفة لفكرة إطلاق الحريات العامة، مرة بدافع الأمن القومى، وأخرى بحجة الصالح العام، وثالثة بدعوى عدم تعطيل الإنتاج، ودائما يقطعون الطريق على إقرار هذه الحريات، بإدخالها فى مقارنات مع قضايا الخبز، وهو الباطل الذى يحاولون به الضحك علينا، باعتبار أن لدينا خيارا وحيد الآن: الخبز أو الحرية. ربما يكون لدينا دستور جيد، أو مشرف، لكن الأكيد أنه ليس لدينا أى نخب قادرة على تفعيل هذا الدستور، وحمايته من المشرعين الذين يملكون حق صياغته بالقوانين المكملة، فما تابعته من نقاش، وجدل، يكشف لنا بجلاء، كيف «عشش» الاستبداد فى عقول الكثيرين منا، بما فى ذلك الذين كانوا يتقدمون الصفوف فى مقاومة الاستبداد.
تعليقات القراء
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد
|
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
تابعونا على الفيس بوك
|