المزيد
مؤتمر "التكنولوجيا: التأثيرات والتحديات والمستقبل"

التاريخ : 18-03-2014 |  الوقت : 06:20:08

وكالة كل العرب الاخبارية

 

ابوظبي – جمال المجايدة

 انطلقت فعاليات أعمال المؤتمر السنوي التاسع عشر بعنوان "التكنولوجيا: التأثيرات والتحديات والمستقبل"، الذي ينظمه المركز يومي 18 و19 من مارس الجاري، في مقره في أبوظبي، بحضور عدد كبير من المسؤولين والمتخصصين والخبراء في مجال التكنولوجيا والمفكرين والإعلاميين من داخل الدولة وخارجها.

و ألقى الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية"، كلمته التي رحّب فيها بالحضور، وقال  

لا شك في أن مجالات الحياة كافة قد شهدت، ولا تزال، طفرات نوعية متتالية بسبب قوة الدفع الناتجة من التقدم التكنولوجي، كما طرأت بموازاة ذلك تغيّرات جذرية على أنماط التفكير، وخرج من رحم ابتكارات التكنولوجيا الحديثة كمّ هائل من التطبيقات التي غيّرت، ولا تزال، وجه الحياة، وأحدثت تحولات جذرية، ابتداءً من ثقافة الإنتاج والاستهلاك، وصولاً إلى النظم السياسية والاجتماعية والقانونية والنظريات القتالية والاستراتيجيات العسكرية والأمنية، مروراً بالتصوّرات الأيديولوجية والقيم الأخلاقية، فضلاً عن الثورة التاريخية في نمط إنتاج المعلومات وتبادلها، وهي ثورة تقنية ربطت بشكل لم يسبق له مثيل بين مليارات البشر إلى درجة تدفع بعض المتخصصين، بين الفينة والأخرى، إلى طرح أفكار تقفز تماماً على الدور التقليدي للدولة-الأمة، واستدعاء أفكار تاريخية طوباوية، مثل الحكم العالمي، والدعوة إلى إقامة حكومة عالمية تدير شؤون العالم أجمع على قاعدة "المواطنة العالمية".

واضاف / إن التكنولوجيا قد أسهمت بدور هائل في تطوير التفاعل البشري وتعميقه، وحققت ما سعت البشرية إليه منذ عشرات القرون، من خلال بلورة صيغة بالغة التقدّم للعولمة، التي تملك جذوراً تاريخية، ولكنها لم تكن تملك هذا التأثير الهائل يوماً ما؛ إذ لعبت هذه الصيغة الحديثة من العولمة الدور الأساسي في تغيير مفاهيم تقليدية تاريخية، مثل الأمن والسيادة والحدود الجغرافية والسياسية، التي تعاني حالة من السيولة تحت وطأة ضغوط قوى العولمة وتأثيراتها المختلفة، ولاسيّما في مجالات النقل والاتصالات والإعلام.

وإذا كان بعض المتخصصين يرون أن العولمة هي الوجه الآخر للنظام العالمي الجديد، أو هي وريثة النظام الثنائي القطبية بصيغته التاريخية التقليدية التي سادت إبّان حقبة الحرب الباردة، فإن التكنولوجيا هي القوة المحرّكة لآليات العولمة، وهي وقود صيرورتها التاريخية، ولاسيّما أن الوجه الاقتصادي للعولمة هو ما يغلب عليها، وأن له تأثيراً في مجريات الحياة كافة نتيجة لارتباطه بالأسواق والتجارة وحركة رؤوس الأموال والتدفقات النقدية، وهذا ما يؤثّر بالتبعية، مادياً ومعنوياً، في الحياة اليومية للبشر في مختلف أرجاء العالم، سواء على مستويات الاعتمادية المتبادلة، أو على صعيد دمج الأسواق وتعاونها.

 

 

وقال السويدي

لقد دفع التقدم التكنولوجي المتسارع تصوّراً علمياً فريداً بلوره مارشال مكلوهان، حول "القرية العالمية"، إلى التقادم النسبيّ برغم استمرارية الأهمية العلمية والبحثية لهذا التصور، وبرغم تحقق مرئياته وتصوراته، بشأن تراجع دور الدولة-الأمة لمصلحة مؤسسات العولمة والفاعلين الجدد في النظام العالمي الجديد، وما نتج من ذلك بالتبعية من تغيرات حيوية مؤثرة.

إن التجربة الإنسانية على مرّ العصور ربما تثبت أن التكنولوجيا، برغم أهميتها الفائقة، لا تقدم بمفردها الحلول والبدائل الجاهزة للمجتمعات على تنوع أهدافها وأحوالها، بل إن حسن التوظيف، وجودة الإدارة، والتخطيط الجيد لاستخدام المعطيات التكنولوجية، تظل عامل الحسم في رسم حدود الاستفادة من التقدّم التكنولوجي العالمي في كل مجتمع على حدة، وهو ما يلقي بمزيد من المسؤولية على الاستراتيجيين ومخطّطي السياسات وصانعيها، بل مؤسسات المجتمع والأفراد، من أجل تعزيز التعاون والتنسيق على مستوى تبادل الأفكار والتفاعل الإيجابي وصولاً إلى خطط تنموية تضمن توظيف الموارد المتاحة، والاستفادة من التقدم التكنولوجي لتحقيق أقصى عائد تنموي ممكن.

وقال / إننا في بدايات القرن الحادي والعشرين نرى كيف أن الاقتصاد بات محرّكاً أساسياً للعلاقات الدولية، والرافد الأول والأكثر تأثيراً في هذه العلاقات، كما نشهد تحولات مستمرة في تعريف المصالح الاقتصادية وطبيعتها وركائزها ومكوّناتها، كما نلحظ عمق الترابط والتداخل بين الاقتصاد والمعلوماتية، وما نتج من ذلك من توجُّه عالمي متزايد نحو اقتصاد المعرفة، الذي يعتمد كلياً على التكنولوجيا المتقدمة وتطبيقاتها، حتى تحولت المعرفة إلى السلعة الاستراتيجية الأكثر أهمية، بل هي محور التنافسية العالمية في عصرنا الراهن.

 

 

ومضي قائلا / إن شواهد الواقع وتطوّراته تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن التكنولوجيا باتت عصب الحياة، ومحور ارتكازها، وقد اعتاد المركز، في مؤتمراته السنوية، مناقشة قضايا ذات أبعاد استراتيجية حيوية، ولا شك في أن مؤتمرنا السنوي التاسع عشر يتعرَّض لإحدى أهم القضايا والمشكلات، التي تشغل بال صانعي القرار ومخطّطي السياسات والباحثين والأكاديميين المتخصصين على حدّ سواء. وفي هذا المقام أؤكد أن موضوع التطور التكنولوجي تحديداً قد حظي بنصيب وافر من الاهتمام خلال الأنشطة البحثية للمركز منذ تأسيسه، سواء على مستوى المؤتمرات، أو الندوات، أو المحاضرات، أو الإصدارات العلمية، إيماناً منّا بأهمية مواكبة أهداف التنمية ومتطلباتها على المستويين المحلي والإقليمي بعد أن فرض التطور المعرفي مفاهيم جديدة، وبات ما يمكن تسميته السيادة التكنولوجية جزءاً محورياً من ركائز "سيادة الدولة".

 

 

وقال إننا في دولة الإمارات العربية المتحدة نبدي اهتماماً، ربما يفوق دولاً متقدّمة، بتتبع التطور التكنولوجي في العالم، فدولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر دول المنطقة والعالم اهتماماً بالانخراط في العصر الرقمي، والتحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار وتكنولوجيا المعلومات، ونحن على قناعة راسخة بأن التخطيط الجيد يستطيع توظيف التكنولوجيا من أجل توفير حلول إبداعية لكثير من العقبات، فما قد تثيره التكنولوجيا من مشكلات في مجتمعات أخرى قد تُعدّ ميزة نسبية لها في مجتمعنا، فعلى سبيل المثال نحن نعاني قلة الأيدي العاملة المواطنة، في حين أن التطور التكنولوجي المتسارع قد فتح المجال للاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي وتطبيقاتها في تنفيذ الخطط التنموية الطموحة، وتأدية العديد من المهام والأعمال، كما باتت أجهزة الحاسوب تضطلع بكثير من المهام التي كان يتطلَّب أداؤها أفراداً عدّة، وإذا أضفنا إلى ما سبق أموراً أخرى، منها مسألة تعزيز التنافسية، والانخراط في الاقتصاد العالمي وما يوفره من فرص،   

 

فيما كانت الكلمة الرئيسية الأميرة ريم العلي، مؤسسة "معهد الإعلام" في المملكة الأردنية الهاشمية.

وفيما يلي نصها :

 

إنه لمن دواعي سروري أن أُدعى لمخاطبة هذا الحضور الكريم، وخاصة أن هذه السنة توافق الذكرى السنوية العشرين لتأسيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. وما من شك في أن المركز كان واحداً من الأسباب التي ساهمت في تبوؤ دولة الإمارات العربية المتحدة مكان الصدارة بين مجتمعات المعرفة في المنطقة؛ وهذا يجعلني فخورة بوجودي في هذا المكان. وأُدرك أيضاً حجم التحدي الذي قبلته بموافقتي على إلقاء هذه الكلمة، وخاصة أن كتاب سعادة الدكتور جمال سند السويدي "وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك" يتناول أثر تكنولوجيا الإعلام على مجتمعاتنا.

يوم الخميس الماضي، نشرت إحدى الصحف الأمريكية في صدر صفحتها الأولى مقالاً بعنوان "25 سنة على ولادة شبكة الإنترنت العالمية، ولا يمكننا العيش من دونها".

كل ما نفعله اليوم يتضمن استخدام الإنترنت، بما في ذلك البحث عن الطائرات المفقودة؛ فقد أطلقت شركة "ديجيتال جلوب" الأمريكية حملة جماعية يشارك فيها أناس من حول العالم كله في التدقيق في صور الأقمار الصناعية بحثاً عن الطائرة الماليزية المفقودة.

وإذا نظرنا إلى شبكة الإنترنت العالمية باعتبارها ثورة تكنولوجية، مثل ظهور الطباعة أو التلجراف، فربما علينا سماع ما يقوله رجل الأعمال والمنتج التلفزيوني الأمريكي فريدريك سيبيرت. يتحدث سيبيرت عن ست مراحل لهذه الظاهرة التكنولوجية: بدءاً من اختراعها، ثم تعزيز وسائل التعبير، تليها مرحلة ثالثة يرى أن سمتها الرئيسية هي عدم فهم الابتكار وحمايته، ثم ظهور الرقابة عندما بدأت الحكومات تستشعر المشكلة، ثم الكفاح للمحافظة على قيمة الوسيلة الجديدة أو المحسنة، وانتهاءً بنشوء توازن جديد في المجتمع، وهي المرحلة الأخيرة.

فأين نحن الآن؟

يبدو أن بعض البلدان ما زالت في مرحلة زيادة الرقابة الحكومية، بينما تكافح بلدان أخرى للمحافظة على قيمة وسيلة التواصل الجديدة والمحسنة، وما زالت جميع البلدان بعيدة عن مرحلة التوازن.

عندما نتحدث عن المعلومات والاتصالات، فلدينا اليوم عدد كبير من المؤسسات الإعلامية ووسائل الاتصال وتبادل المعلومات بشكل لم يسبق له مثيل. بعبارة أخرى، لدينا اليوم قدر أكبر من المعلومات ومن المحتوى الذي يسميه أصحابه معلومات، بغض النظر عن صحة هذه التسمية أو خطئها، وعدد أكبر من المشاركين.

لدينا بكل تأكيد كمّ هائل من المعلومات، ولكن ماذا عن النوعية؟ هل تتحكم بنا هذه التكنولوجيا الجديدة، أم نحن الذين نتحكم بها ونستخدمها لمصلحتنا؟ هل هي مجرد أداة، أم أنها تؤثر في المحتوى؟ هل تساهم كثرة الوسائط في تحسين المحتوى، أم أنها تؤدي إلى تغيير الرسالة؟

قبل عشرين عاماً كتب سفين بيركيرتس كتاباً بعنوان "مرثاة جوتنبيرج" تحدث فيه إلى عن الدور الذي يلعبه الأدب  في بلورة حياتنا الوجدانية، متسائلاً فيما إذا كنا نضحي بثقافتنا الأدبية في خضم حماسنا للحاق بركب العصر الإلكتروني، وفيما إذا كان العالم الذي صوره هنري جيمس يمكن أن يوجد في عصر يرسم بيل جيتس معالمه الأساسية.

يقول بيركيرتس إن قدرتنا اللامحدودة على الحصول على المعلومات في هذا العصر الرقمي أثرت في طريقة تفكيرنا، إذ اختفى التفكير المتأني وحلت مكانه القرارات السريعة والحاسمة. لسنا بحاجة لمعرفة شيء عن العالم، بل نحتاج لمعرفة كيفية الوصول إلى البيانات التي ستزودنا بمعلومات عن العالم. فوفرة المعلومات المتاحة إلكترونياً اليوم والطرق المعقدة لتخزينها والتلاعب بها تتطلب مجموعة جديدة من المهارات ليس لفهمها، بل لاستعادتها وفهرستها.

وخير مثال على ذلك الوثائق الإلكترونية التي تحتوي على روابط يمكن للقارئ النقر عليها، وكل رابط منها يأخذ القارئ إلى نص آخر فيه روابط أخرى. عند القراءة، ينشغل ذهن القارئ عادة بالأفكار، أما في حالة النصوص التي تحتوي على روابط فالقارئ يقفز من نص إلى آخر، ويقرأ مقاطع قصيرة بدلاً من قراءة موضوع كامل، وأحياناً يُخرِج الأفكار من سياقها، فيتغير المعنى بسبب اجتزاء النص. ويمكننا تشبيه هذا الاجتزاء بمن يتنقل بين القنوات التلفزيونية دون مشاهدة أي برنامج كامل.

برأيي نحن نتعامل مع أداة لم تتضح بعد آثارها بشكل كامل لأن التكنولوجيا تتطور باستمرار، ولكنها تبقى أداة ونحن لسنا ضحايا أو مستخدمين سلبيين؛ فكل منا يستخدم المعلومات المتاحة على الإنترنت بشكل مختلف.

بحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، توفر الإنترنت إمكانيات كبيرة للتنمية، فهي تتيح قدراً هائلاً لم يسبق له مثيل من مصادر المعلومات والمعرفة، وتخلق فرصاً جديدة للتعبير والمشاركة. لهذا السبب قامت منظمة اليونسكو، التي تعتبر أن إحدى مسؤولياتها تتطلب منها تشجيع حرية التعبير على الإنترنت، بإدخال الإنترنت في برنامجها المعتاد.

تقول اليونسكو، "إن مبدأ حرية التعبير يجب ألا يُطبق على وسائل الإعلام التقليدية فحسب، بل يجب أن يُطبق على الإنترنت أيضاً وعلى جميع المنابر الإعلامية الناشئة التي ستساهم حتماً في تعزيز التنمية والديموقراطية والحوار".

بالنسبة للكثيرين في الشرق الوسط، وفّرت وسائل التواصل الاجتماعي عالماً موازياً يوفّر الحرية للفرد لبث آرائه، وهذه المساحة من الحرية قد لا تكون موجودة بالضرورة في وسائل الإعلام التقليدية، وموجودة بدرجة أقل في وسائل الإعلام الحكومية، على الأقل في دول عديدة.

السؤال حول ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد أشعلت الانتفاضات التي شهدتها بعض الدول العربية، حظي بتحليلات وتقديرات أكثر مما ينبغي في رأيي، ولن نتطرق لهذا الموضوع هنا.

بالطبع هناك حدود لما تجلبه هذه التكنولوجيا، مع الأخذ في الاعتبار جميع الرؤى والآراء حول انفجار حرية التعبير، وجميع المساعي والجهود لربط الثقافات والشعوب بعضها ببعض. قد نعتقد أننا الآن أكثر من أي وقت مضى مواطنون في عالم واحد بفضل هذه التكنولوجيا.

إن نقل أنباء/معلومات عن أجزاء مختلفة من العالم يجب أن يأخذ في الحسبان أن المشاهدين لديهم حساسية ثقافية معينة، لأن لديهم على الأقل لمحة عن طريقة حياة الشعوب الأخرى.

لقد أظهرت الدراسات الميدانية أن كمية التقارير المنقولة، مقابل نوعيتها أو دقتها، مسألة مضللة، وقد أصبحنا نعتقد أن كل فرد منا يعرف عن الآخر أكثر مما نعرف فعلاً، ولذلك لا يزال هناك حاجة لمزيد من الحوار.

يمكن تسخير وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، وربما يجب تسخيرها، لهذا الغرض [أي للحوار].

ونظراً لأن دور وسائل التواصل الاجتماعي يتوقف على كيفية استخدامها أو الغرض من استخدامها، فلذلك يُلاحظ أن وسائل التواصل الاجتماعي هذه يمكن تعزل الناس بعضهم عن بعضهم، وهنا تكمن المفارقة، حيث ينعزل الناس ضمن ثقافتهم، أو ضمن المناطق التي يرتاحون فيها.

كما قال أمين معلوف في كتابه بعنوان "فوضى العالم": مقابل المستخدمين القلائل الذين ينتقلون من موقع صحيفة "هآريتز" إلى موقع صحيفة "واشنطن بوست" أو موقع وكالة الأنباء الإيرانية، هناك آلاف المستخدمين الذين يكتفون بالمواقع التي يشعرون بالارتياح لها، والتي تبرر أفكارهم، أو مشاعر استيائهم، أو تحليلاتهم.

كما نحتاج بالطبع لأن ندرك أنه مقابل حرية التعبير التي توفرها التكنولوجيا، هناك حدود – يضعها البشر الذين يستخدمون التكنولوجيا- لتلك الحرية أيضاً.

هذا يقودنا إلى مشكلات حماية الخصوصية:

تماماً كما نجد أن الشركات المعلنة التي تسعى لترويج مبيعاتها وحماية مصالحها قادرة على جمع معلومات عن الزبائن/المستهلكين وعن المنتجات عبر الإنترنت، فإن الحكومة تستطيع فعل الشيء ذاته تحت اسم حماية "الأمن القومي".

هناك أسئلة تتعلق بالأخلاق أيضاً: اقترح أحد المحللين أنه في نفس الطريقة التي يتم فيها تنظيم مجتمعنا بتطبيق القوانين، بحيث يتاح لكل فرد ممارسة حريته/حريتها شريطة عدم التعدي على حرية شخص آخر، كذلك يجب أن يتم تنظيم الإنترنت.

إن خطاب الكراهية يظل خطاب كراهية، وسواء تم نقله بواسطة أحدث التقنيات أو بكلمات من الفم، لا مكان له في مجتمع يتمتع بالتنوع والتسامح، أو أي مجتمع آخر.

في هذا الجزء من العالم [أي العالم العربي]، وعلى الرغم من الفوائد الكثيرة التي جلبتها تكنولوجيات الإعلام الجديدة، إلا أنه كان هناك عيوب وثغرات. فمن ناحية، نجد أن وسائل الإعلام العربية حالياً بيئة مزدهرة وتشهد تطورات مستمرة وقدوم لاعبين جدد؛ ومن ناحية أخرى، نجد في بعض الدول أن الحكومات لا تزال تمارس القمع والرقابة، وغالباً ما تستخدم نفس الوسائل والأدوات التي وفرتها التكنولوجيا.

هذه الحرية الصحفية لا تزال متخلفة في مجتمعات عديدة يوجد فيها مستويات جيدة من المواد الإعلامية.

في الوقت ذاته، إن كمية المنافذ الإعلامية الجديدة التي ظهرت نتيجة للانتفاضات العربية، قد تسببت في دول معينة في حدوث وفرة فائضة في مصادر المعلومات، وبعض هذه المصادر مشكوك في مصداقيتها وجودتها.

عند الحديث عن التعديات على حرية التعبير، نذكر أن منظمة "مراسلين بلا حدود" أضافت الولايات المتحدة إلى قائمة "أعداء الإنترنت" لأول مرة منذ بداية إجراء الدراسة الميدانية عام 2006. فقد قالت المنظمة إن المعلومات التي كشفها إدوارد سنودين عن أنشطة التجسس التي تقوم بها وكالة الأمن القومي الأمريكية، إضافة إلى أعمال إدارة باراك أوباما ضد التسريبات والأشخاص الذين ينتقدون سياسات الإدارة، بأنها هي السبب الرئيسي وراء قرارها بوضع الولايات المتحدة على قائمة أعداء الإنترنت.  

وقد نشر مؤسس موقع الفيسبوك مارك زوكربيرج رسالة تعبر عن استيائه، إذ كتب: في حين يتجه العالم ليصبح أكثر تعقيداً، والحكومات في كل مكان تكافح، فإن الثقة في الإنترنت أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى. وأشار إلى الإنترنت باعتبارها الفضاء المشترك الذي يجمعنا، ويساعدنا على التواصل، ويتيح الفرص، ويساعدنا على التعلم، ويعطينا صوتاً لنعبر به عن أنفسنا. ويقول إننا بحاجة لإبقاء الإنترنت شبكة آمنة، لكي تظل شبكة قوية.

وفي الذكرى الخامسة والعشرين لاختراع شبكة الإنترنت، قال "تيم بيرنرز لي" للصحفيين إنه يأمل في بدء حوار عالمي حول الحاجة إلى الدفاع عن المبادئ التي جعلت شبكة الإنترنت ناجحة؛ تحديداً حول إيجاد "ماجنا كارتا" للإنترنت أو وضع قواعد وقوانين لحماية انفتاحها وحياديتها.

وسواء كنا ننظر إلى الإنترنت باعتبارها مصدراً للحرية أو تهديداً، ما هي تأثيراتها في مهنة الصحافة اليوم؟

لقد كتب جورج بروك، وهو صحفي متمرّس ورئيس قسم الصحافة في جامعة سيتي في لندن، في كتابه "الطبعة نافدة"، الآتي: "ليس على الصحافة أن تتخلى عن مبادئها أو قيمها الأصلية؛ ولكن عليها أن تتكيّف. فإذا كانت المعلومات تتدفق من الأجهزة وإليها طوال 24 ساعة يومياً، فإن قيمة الصحافة تكمن في شيء فعلته من قبل: الغربلة والاستخلاص والتقاط الإشارة من الضوضاء. إن تدفق المعلومات في العالم يوجِد طلباً عليها: والخيار متروك للصحافة لتوفيرها".

وفي العالم العربي تحديداً، أعتقد أن هناك حاجة، ليس فقط لإظهار تلك القيمة مرة أخرى من قِبَل جيل جديد، بل أيضاً لأنْ يستعيد الجمهور ثقته في الصحافة وإيمانه بها. وهذه المهمة، في جزء كبير منها، ينبغي أن تبدأ بالإعلام الحكومي. إننا ما زلنا في بعض الدول في حاجة ماسّة إلى إعلام عام مناسب؛ إعلام لا يكون لساناً لحال الحكومة، بل يكون منبراً للحوار ويستطيع أن ينافس بفعالية مع فيض المعلومات – والمعلومات المضلّلة أحياناً – ويوفّر مساحة مقبولة للحوار داخل مجتمعاتنا بحيث تُسمَع جميع الأصوات.

إن وسائل الإعلام العامة ليس لها أي فرصة للنجاح ما لم تتكيّف أيضاً. وفي معظم الدول في منطقتنا، هذا يعني أن تكون تلك الوسائل قوة للتوحيد والاندماج من خلال تعزيز الحوار الحقيقي بين الحكومة وشعبها، بدلاً من بث رسالة في اتجاه واحد. وأعتقد أيضاً أن هناك الكثير الذي يجب أن يحدث في مرحلة مبكرة، في التعليم، بحيث يستطيع أي فرد من الجيل الجديد أن يصبح مُنتجاً محتملاً للمحتوى الإعلامي ومستهلكاً له. وينبغي تقديم الكثير من الدعم للمدارس أو البرامج التي تقدّم تعليماً عاماً أعمق، والتي سوف يكون لها تأثير أكبر في المجتمع ككل.

يبدو أن إتقان تكنولوجيا الاتصالات اليوم – أو أي تكنولوجيا - يقع في لب العديد من المبادرات التعليمية، وهذا توجه واضح يسهل فهمه. ولكن من الخطأ إيصال هذه المعرفة من دون نشر معرفة العلوم الإنسانية في الوقت نفسه. وهنا تأتي الأدوار المركزية للأخلاق والتفكير النقدي، كما تأتي مزايا البرامج الملائمة والشاملة لتعليم الصحافة.

إن العالم في متناول أيدينا، حرفياً. ولكن هذا لا يجعل فَهم العالم أسهل. والصحفيون المحترفون، الذين تلقوا تعليماً في مجال الجغرافيا والتاريخ والثقافة ولديهم قدر من الفهم والمعرفة عن المناطق التي يعملون فيها، يمكن أن يساعدونا في فهم العالم. إن المعلومات اليوم ليست حكراً للصحفيين فقط. ودور وسائل الإعلام في هذه الصدد هو المساعدة في فهم الألوف من المواد والمعلومات التي نستطيع الوصول إليها باستمرار. إن المعلومات الخاطئة أو المعلومات المقدَّمة خارج سياقها يمكن أن تثير أعمال شغب قاتلة، على سبيل المثال.

من المهم إدراك أن التكنولوجيات الجديدة تتطلّب صحفيين أفضل تدريباً ويتلقون تدريباً أكثر تواتُراً وانتظاماً، ومتخصصين، ما يعني أنهم قادرون على تقدير قيمة أي مادة خبرية على الفور، وقادرون على تسليط الضوء الكافي عليها. وبالنسبة إلى الصحفيين أو الإعلاميين، يبدو أن الاتجاه حتى الآن هو الاستجابة للتكنولوجيا وتأثيراتها والتكيّف معها. 

لقد آن الأوان للتقدم خطوة إلى الأمام وتسخير التكنولوجيا للعمل تحديداً من أجل تحسين المحتوى الإعلامي والوصول أخيراً إلى مستوى التوازن الاجتماعي المطلوب. إنني على ثقة من أن عقد الاجتماعات، مثل هذا المؤتمر، حيث تُطرح الأفكار وتُواجه – ولو وجهاً لوجه، في أجواء تقليدية بعيداً عالم التكنولوجيا – يمكن أن تساهم في هذا التطوّر.

 

وحملت الجلسة الأولى، التي رأسها سعادة محمد ناصر الغانم، المدير العام لـ"هيئة تنظيم قطاع الاتصالات" في دولة الإمارات العربية المتحدة، عنوان "مستقبل التكنولوجيا: الاتجاهات والفرص"، حيث قدم الأستاذ الدكتور فيليب هوارد، أستاذ الاتصال في "جامعة واشنطن" بالولايات المتحدة الأمريكية، الأستاذ في "كلية السياسات العامة" بـ"جامعة وسط أوروبا" في جمهورية المجر، ورقة بعنوان "العولمة وتداعياتها على العلاقات الدولية والنظام العالمي"، طرح فيها ثلاثة سيناريوهات حول تأثير العولمة والترابط في النظام العالمي، وعن التحديات التي ستواجه ترابط الإنترنت والنظام العالمي، فهناك أولاً سيناريو النمو الذي تقوده السوق؛ حيث تسيطر شركات التكنولوجيا والإعلام على العولمة والتفاوض بين مصالح مستخدمي التكنولوجيا والعملاء الحكوميين؛ وثانياً هناك سيناريو تقوده الحكومة؛ حيث يتم إعادة العمل بالنظام العالمي من خلال عملية وضع المعايير وتطوير تكنولوجيات جديدة، وأخيراً هناك سيناريو يتم عبره إعطاء الجهات الفاعلة في المجتمع المدني نفوذاً ملحوظاً، بشأن الطريقة التي يتواصل عبرها العالم، وشروط الخدمة التي يمكن وضعها والمهمات التي ستنهض بها الجهات التنظيمية الحكومية.

 

وناقشت الورقة البحثية الثانية، التي قدمها الأستاذ الدكتور لينار فيك، المدير السابق لتكنولوجيا "السكايب"، الأستاذ المساعد، عضو مجلس الإدارة في "كلية تكنولوجيا المعلومات" بجمهورية أستونيا، "توقعات التكنولوجيا والتحولات المرتقبة"، إذ استطاعت شركة "سكايب" أن تحقق عوائد قُدِّرت بأربعة مليارات يورو، والسبب أن فكرة الشركة لم تقم على الأبحاث والدراسات، بل كانت ترتكز على فكرة استخدام التكنولوجيا في خدمة المستخدم النهائي، ولا بدّ من أهمية الابتكار الذي ينشأ من المعارف الجديدة التكنولوجية وغير التكنولوجية. وترتبط الابتكارات غير التكنولوجية ارتباطاً وثيقاً بالدراية، والمهارات، وظروف العمل، التي تعدّ كلها جزءاً لا يجتزأ من عمل المنظمات. ومع أنه في الإمكان تحقيق مكاسب كبيرة من خلال تحسين المنظمات، أو تشييد البنية التحتية، أو الحدّ من عدم استقرار الاقتصاد الكلي، أو تحسين رأس المال البشري، فإن هذه العوامل كلها تؤدي في المحصلة إلى تناقص العائدات.

وكانت الورقة الأخيرة في الجلسة الأولى للأستاذ الدكتور ديفيد آلان جرير، الرئيس السابق لـ"جمعية الكمبيوتر" (IEEE)، الأستاذ المشارك في العلوم الدولية وسياسة التكنولوجيا والشؤون الدولية في "جامعة جورج واشنطن" الأمريكية، بعنوان "آفاق الإبداع التكنولوجي: مستوىً جديد للحضارة البشرية"، حيث قال عندما ننظر إلى المستقبل يصيبنا العمى بسبب أملنا الذي يصور لنا أن هذه التكنولوجيا ستجعلنا أغنياء وأكثر قوة. ونحن متشوّقون إلى هذه التكنولوجيا لتزوّدنا بالابتكارات، ولكننا ننسى أن كلمة ابتكار ليست مرادفة لاختراع فحسب، بل تتضمَّن التغيير الاجتماعي الذي لا يمكن السيطرة عليه في كل الأحيان، مع أننا يجب ألا نزعم أن تكنولوجيا المعلومات قد "أتمتت" كل الجوانب التي يمكن "أتمتتها"، إلا أننا نستطيع أن نلاحظ أنها "أتمتت" مهمات كبرى في جميع الفئات السبع للأنشطة الاجتماعية، وهي: الإنتاج، والتجارة، والتمويل، والأمن، والمحاسبة، والإدارة، والسياسة.



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك