قضايا في أمن الطاقة.. دول الخليج العربية أنموذجا
عمان- يمكن تأطير الاهتمام بأمن الطاقة وقضاياها المتشعبة من الناحية التاريخية إلى عشية الحرب العالمية الأولى في العام 1914 حين اتخذ الزعيم البريطاني ونستون تشرتشل، وكان في حينها وزيراً للبحرية قراراً بتحويل طاقة أسطول البحرية التي كانت تعمل بالفحم إلى العمل على النفط الخام لجعل الأسطول البريطاني أسرع وأكفأ من نظيرتها الألمانية.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأ الاهتمام المتصاعد بأمن الطاقة. وإن مرد الاهتمام بهذا الموضوع لا يعزى فقط إلى اختلال التوازن بين عرض الإمدادات والطلب عليه في السوق وما رافقه من ارتفاع مضطرد في الأسعار، بل يمكن أن يعزى كذلك إلى أن أمن الطاقة أصبح مرادفاً للتهديدات الإرهابية وعدم اليقين في بعض الدول المصدرة وإلى السباق المحموم والتنافس الجيوسياسي وحاجة الدول للطاقة لتعزيز النمو الاقتصادي.
ولعل الطلب المتعاظم للطاقة في الصين لتعزيز عملية النمو الاقتصادي فيها يُعد من أبرز الأمثلة على ذلك، لاسيما وأن الصين كانت وحتى وقت قريب مصدّراً صافياً للنفط، بيدَ أن ذلك تغير جذرياً في السنوات القليلة الماضية، مع ارتفاع الاستهلاك على النفط فيها إلى أكثر من عشرة ملايين برميل يومياً متجاوزة في ذلك اليابان، التي كانت حتى وقت قريب ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم. وتشير التقديرات إلى أن الصين بمعدلات النمو الاقتصادي الحالية (التي تقترب من 10 % سنوياً) يمكنها أن تتجاوز الولايات المتحدة الأميركية المستهلك الأول للطاقة في العالم بحلول العام 2025.
وعوداً على بدء، ينظر إلى التهديدات الإرهابية التي طالما تصدر عن تنظيم القاعدة باستهداف مفاصل الاقتصاد العالمي وبنيته التحتية بما في ذلك المرافق النفطية ومصافي التكرير كأحد مصادر عدم الاستقرار لسلامة إمدادات الطاقة. إلى ذلك، فإن العالم آخذ بالاعتماد على مصادر طاقة من دول ما تزال نظم الأمن فيها قيد التطوير. وتبرز بين الآونة والأخرى خلافات سياسية تؤثر بشكل غير محسوب أو متوقع على تدفق الطاقة وانسيابها، ولعل مثال ذلك ما يحصل الآن من خلاف بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا حول تسعير الغاز الطبيعي والذي يهدد بتوقف إمدادات الغاز المتجهة إلى أوروبا ولاسيما إمداداتها إلى بولندا وألمانيا، خصوصا بعد أن صوت الناخبون في شبه جزيرة القرم بالانضمام الى روسيا في حركة يعدها الكثير من المراقبين بغير الدستورية.
ولا تتوقف تجليات أمن إمدادات الطاقة عند هذا الحد فقط بل تمتد لتشمل مع النمو المتسارع في تجارة الطاقة ما يعرف بـ”نقاط الاختناق” Transit Choke Points عبر الممرات البحرية. ومن أهمها مضيق هرمز قبالة الشواطئ الإماراتية والعمانية التي يمر من خلالها أكثر من 17 مليون برميل يومياً أو ما يعادل 40 % من تجارة النفط البحرية.
ومن نقاط الاختناق الأخرى التي لا تقل أهمية عن مضيق هرمز كل من مضيق مالقة الذي يربط شبه القارة الهندية بشواطئ المحيط الهادي، ومضيق باب المندب الذي يربط بحر العرب بالبحر الأحمر، ومضيق البوسفور الذي يربط البحر الأسود وبحر قزوين بالدول المطلة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
أمن إمدادات النفط والغاز
إن دول الخليج العربي بما حباها الله من ثروات طبيعية نتيجة مصادفة جيولوجية تحتل اليوم أهمية فائقة قدر تعلق الأمر بالطاقة، ولا غرو في ذلك لاسيما وأن دول الخليج (بالإضافة إلى العراق وإيران) لديها من الاحتياطات النفطية المؤكدة، ما يصل إلى 754 مليار برميل أي ما يعادل 57 % من الاحتياطات العالمية المقدرة بـ1333 مليار برميل. في حين يصل إنتاج النفط فيها إلى أكثر من 5ر24 مليون برميل يومياً حسب آخر البيانات المتاحة، أو ما يعادل 30 % من الإنتاج العالمي.
إزاء هذه المعطيات أضحت منطقة الشرق الأوسط والخليج تحتل أهمية قصوى في الجدل المحتدم حول أمن إمدادات النفط. وإن أحد الأشكال التي يقوّم فيها أمن الطاقة، بالإضافة إلى ما يبرز إلى السطح بين الآونة والأخرى من دعوات تنذر بقرب نضوب النفط وهم أنصار ما يعرف بنظرية (ذروة النفط) Peak Oil Theory هو درجة الاعتماد على الواردات (Degree of Dependency).
ومن هنا احتلت دول الخليج والشرق الأوسط مكانة مهمة لاعتماد العديد من دول العالم عليها في تأمين إمداداتها. وما تزال ماثلة في الأذهان التصريحات الشهيرة التي أطلقها الرئيس جورج بوش الابن في خطابه عن حالة الاتحاد The state of Union العام 2004 بما مفاده أن الولايات المتحدة أصبحت Addicted to oil “مدمنة” على النفط الذي ما فتئ يأتيها من دول غير مستقرة، ما يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة، مضيفاً أن الولايات المتحدة ومن خلال التطورات الهائلة في التكنولوجيا عاقدة العزم على تقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط بنسبة تصل إلى 75 % بحلول العام 2025، ويعزز من هذا الرأي ما تشهده الولايات المتحدة اليوم من ثورة في الوقود الصخري Shale Energy قد يقلب معادلات الطاقة رأساً على عقب.
إن هذه الشكوك حول عدم ضمان التدفق الآمن والمستقر من دول الشرق الأوسط تغذيها عوامل عديدة لعل أبرزها احتلال العراق للكويت العام 1990 وما ترتب عليه من فقدان السوق لكميات تراكمية خلال العام 1990/1991 تربو على 420 مليون برميل، ناهيك عن الحرب العراقية الإيرانية التي شهدت في بداياتها تراجعاً في إنتاج وتصدير البلدين.
وقد سارعت دول الخليج في كلتا الحالتين خاصة السعودية بالاستجابة الفورية لنقص الإمدادات في السوق من خلال توظيف طاقتها الإنتاجية الفائضة التي وصلت إلى 5 ملايين برميل يومياً إبان الأيام الأولى للغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت. وقد لعبت السعودية بذلك ما يعرف بـ”المنتج المرجح” Swing Producer في السوق، ما أفضى إلى احتواء النقص المحتمل في إمدادات السوق العالمية.
إن نظام أمن الطاقة العالمي كما هو معمول به اليوم، جاء كردة فعل لحرب أكتوبر العام 1973 حين أشهر العرب لأول مرة في تاريخهم وبشكل فعّال وناجع سلاح النفط من خلال فرض الحظر النفطي على الدول الموالية لإسرائيل. وكان من نتائج ذلك وبنصيحة من مستشار الأمن القومي الأميركي هنري كيسنجر إنشاء ما يعرف بـ”وكالة الطاقة الدولية” IEA العام 1974 التي تتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقراً لها والتي تضم في عضويتها اليوم 28 دولة أوروبية. وتعمل الوكالة المذكورة كمنسق لسياسات الطاقة في الدول الأعضاء فيها بما يضمن التدفق الآمن والموثوق للإمدادات من خلال توظيف ما يعرف بآلية احتياطات الطوارئ والتي تعادل 90 يوماً من صافي الواردات.
بيدَ أن إطلاق التعميمات المغلوطة ذات الطابع النمطي التي طالما تتردد في وسائل الإعلام الغربية متشدقة بأن إمدادات الطاقة من دول الخليج والشرق الأوسط هي بالضرورة غير مستقرة يجانبها الصواب.
وإن أيّ متتبع للتاريخ القريب لسجل الدول المنتجة للنفط يميط اللثام عن حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن أغلب الاضطرابات التي تشهدها الدول النفطية تنحصر في دول خارج منظومة الخليج العربي، منها على سبيل المثال لا الحصر إضرابات عمال النفط التي شهدتها فنزويلا، كان من نتائجه تراجع الإنتاج فيها إلى أكثر من الثلث. كما تشهد نيجيريا أكبر دولة نفطية في القارة السوداء قلاقل مستمرة من قبل المتمردين الانفصاليين في حوض دلتا النيجر مما تسبب في تراجع صادراتها للولايات المتحدة. الجدير بالذكر أنّ منطقتنا العربية في الخليج بخلاف المناطق الجغرافية الأخرى هي في منأى عن الأعاصير كإعصار كاترينا الذي ضرب خليج المكسيك صيف العام 2005، كما أن منطقتنا يندر أن تشهد توقفاً في إنتاجها لأسباب فنية بخلاف ما حصل في أميركا في حادث المنصة الشهير Deepwater Horizon التابع لشركة بي بي في منتصف نيسان (أبريل) العام 2010 والذي كان من نتائجه تسرب كبير للنفط في المياه العميقة قبالة شواطئ فلوريدا وحدوث أضرار بيئية كبيرة لا تحمد عقباها. خلاصة القول إن الإمدادات التي مصدرها دول الخليج العربي هي إمدادات موثوقة يشهد على ذلك سجلها التاريخي الممتد لعقود طويلة خلت.
دور أوبك في استقرار الإمدادات
حرصت منظمة الأقطار المصدرة للبترول، أوبك، منذ إنشائها العام 1960 في بغداد على تأمين استقرار السوق من خلال إمداده بما هو مطلوب لتحقيق التوازن بدون الإخلال بأسعار النفط. ولبلوغ ذلك تتطلع الأقطار الخليجية والعربية الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للاستثمار الرأسمالي في مشاريع الطاقة المتعددة؛ إذ تشير الشركة العربية للاستثمارات البترولية (أبيكورب) إلى إنفاق أكثر من 478 مليار دولار لهذا الغرض خلال الفترة 2011-2015 تتركز أغلبها في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر بالإضافة إلى دول أخرى كالعراق والكويت والجزائر. إلا أن الاضطلاع بمثل هذه المشاريع الباهظة التكلفة تستوجب يوفر ما يعرف بأمن الطلب على الإنتاج (Security of Demand) أسوة بأمن المعروض من الإمدادات (Security of Supply) التي تشدد عليه باستمرار الدول الصناعية المستوردة للطاقة.
إن المراقب للسوق النفطية اليوم يجد بروز رؤية أو شبه إجماع بين دول الأعضاء في أوبك وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، أكبر منتج للنفط في العالم، بتأمين الاستقرار الآمن للإمدادات بما يلبي حاجة السوق من ناحية بدون الإضرار بنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من خلال الدفاع على نطاق سعري يتراوح بين 90 و100 دولار للبرميل، باعتباره سعراً عادلاً يلبي إلى حد كبير متطلبات الموازنة العامة لغالبية الدول الخليجية، كما يلبي تطلعات الشركات النفطية العالمية بما يضمن لها الولوج في استثماراتها النفطية خاصة في المياه العميقة وفي الحقول الحدية التي يصعب التنقيب فيها.
من المواجهة إلى التعاون
بعد عقود من الاتهامات والاتهامات المضادة تحملت فيها الدول النفطية العربية وزر الافتراءات الكثيرة عند حدوث قلاقل في السوق كما كان يحصل حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي شهدت الفترة منذ مطلع التسعينيات تغليب لغة الحوار والتعاون بين الدول المنتجة والدول المصدرة بلغت ذروتها في إنشاء (منتدى الطاقة العالمي) الذي اتخذ من العاصمة السعودية الرياض مقرا له بدءا من العام 2005 لتعزيز أمن الطاقة.
ولعبت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية دورا بارزا في تفعيل الحوار مع دول مستوردة للطاقة والذي شمل في السنوات الأخيرة التعاون في هذا المضمار مع دول الاتحاد الأوروبي ووكالة الطاقة الدولية ومجموعة العشرين، بالإضافة إلى الدول المنتجة خارج أوبك كالنرويج والمكسيك وروسيا.
ونخلص مما ورد إلى أن التعاون بين الدول المنتجة والدول المصدرة أضحى ضرورة حتمية يمليها واقع عالمنا اليوم الذي جعلت منه العولمة قرية صغيرة مما يجعل من الاعتماد المتبادل Interdependency واقعاً لا يمكن إنكاره. وإن العمل يدا بيد في تأمين تدفق آمن للإمدادات من خلال الحوار وتعزيز الشفافية في نشر المعلومات والبيانات وتبادلها سيجعل من هدف تحقيق أمن الإمدادات هدفا يمكن بلوغه بعد طول انتظار.
*خبير في قطاع الطاقة