وفاز حزب «البديل لألمانيا» بـ7 في المئة من الأصوات. فألمانيا أسوة بغيرها من الدول الأوروبية ترسل الى ستراسبورغ حزباً يصلي أوروبا الانتقاد. وهو حزب يعمّه الاستياء ازاء بيروقراطية بروكسيل، ويعادي اليورو أكثر مما يعادي اوروبا. وليس حزباً يمينياً متطرفاً، وقد لا يتحالف مع خيرت فيلدرز في هولندا او مارين لوبان في فرنسا.
ووقع نتائج الانتخابات الأوروبية باهت في ألمانيا وليس مدعاة حماسة أو انشغال، على خلاف الأمر في فرنسا وبريطانيا. ولا يخفى ان فوز حزب «الجبهة الوطنية»(يمين متطرف) كان متوقعاً لكن حصته الكبيرة من الأصوات ملفتة. وهذه النتائج لا تخوّله التربّع في صدارة الأحزاب الفرنسية. وتخشى ألمانيا ان يغلب الطابع القومي على السياسة الفرنسية فترفع لواء مارين لوبان القائل: «سياسة فرنسية للفرنسيين ومع الفرنسيين». ويبدو ان ساسة الأحزاب الأخرى الفرنسية لا يملكون دحض ما تسوّقه لوبان، ولا يعارضون غوغائية «الجبهة الوطنية». ووراء الأبواب المغلقة تؤيد ابرز الأحزاب الفرنسية مثل «الاتحاد من اجل الحركة الشعبية» (اليمين المعارض) والحزب الاشتراكي، ما تجاهر به «الجبهة الوطنية». فجامع الأحزاب الفرنسية على اختلاف مشاربها هو وهم إمكان العودة عن العولمة وصوغ نظام اقتصادي عالمي جديد يترك وراءه التبادل التجاري الحر وما حملته العولمة من تغيرات تقوّض «سيادة» الدول الاقتصادية.
وعلى رغم أن مانويل فالز، رئيس الوزراء الفرنسي، اتشح بالسواد وأعلن من على شاشة التلفزيون ان زلزالاً (سياسياً) وقع، لم يوضح أثره السياسي في مستقبل البلاد وأوروبا. وتثير الدعوات إلى استقالة الرئيس الفرنسي ورئيس وزرائه والمجلس الوطني، القلق ازاء اضطراب السياسة الفرنسية. وهذا اكثر ما تخشاه ألمانيا. ولولا نتائج الانتخابات في بريطانيا لكان في الإمكان تخفيف أهمية فوز «الجبهة الوطنية» الأخير والكلام على «استثناء فرنسي». ولم يكن بروز احزاب معادية لأوروبا أو مشكّكة في اليورو في بلدان أخرى أوروبية ليغيِّر في الأمر. لكن تزامن فوز حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي مع فوز «نايجل فاراج على رأس «حزب استقلال المملكة المتحدة» البريطاني في الانتخابات الأوروبية هو نذر شؤم سياسي لأوروبا. وسعى ديفيد كامرون، رئيس وزراء بريطانيا، الى احتواء الميل الى التشكيك في الاتحاد الأوروبي، المتنامي في بريطانيا، إذا اعلن الاستفتاء على الاتحاد عام 2017. لكن الأمور جرت على نحو ما لم يشتهِ. وتعاظم التشكيك في أوروبا.
وعشية الاقتراع، أعلن «حزب استقلال المملكة المتحدة» أنه لن يتعاون مع «عنصريي» الجبهة الوطنية (الفرنسية) ولا مع «معادي السامية» في هذا الحزب. واليوم، يرجح احتمال التنسيق بينهما في البرلمان الأوروبي، والتناقض يتجاذب الحزب البريطاني المغرّد خارج السرب. فهو يقول إنه «مع الإجماع» لكنه يطالب بـ «استعادة بلاده». وهذا الشعار يلتقي مع مطالب «الجبهة الوطنية»، ويشي باحتمال انسجام فرنسي- بريطاني يميني.
ولا شك في أن نتائج الانتخابات الأوروبية قوّضت الاتحاد الأوروبي وخلّفت اثراً سلبياً في علاقاته بالولايات المتحدة التي تتململ من ضعف الشريك الأوروبي. ولن يطول الأمر قبل ان يظهر أثر هذه الانتخابات في مفاوضات التبادل التجاري الحر العابر للأطلسي. وإذا لم يفلح الاتحاد في رص صفوفه ولم ينجح في أن يكون نداً لأمريكا في مواجهة هيمنتها السياسية والاقتصادية، سيلفّ الغموض مستقبل الاتحاد الأوروبي والقارة.
* عالم اجتماع ألماني




















