المزيد
«نساء علي العامري»

التاريخ : 26-05-2015 |  الوقت : 02:21:16

وسف عبد العزيز - لعلّ ذهاب الفنّان علي العامري، باتّجاه رسم وجه المرأة، هو محاولةٌ منه للقبض على أسرار الأنوثة الباذخة والمحتَجبة. ولأنّ الوجه هو مرآة للجسد والرّوح معاً، فقد هيّأ عليّ فرشاته لتصطاد ظلال تلك الفتنة المعرِّشة، الحائمة في سفوح تلك الأرض الخرافية، أرض المرأة.ما المرأة؟ما طبيعة هذا الكيان الباذخ القائم أمامنا، والمحمول على مياه الحلم؟من أيّ طينٍ سماوي تمّ عجنه؟وما وراءه من أسرار؟بالكثير من الحَيرة والارتباك يدخل عليّ تلك الأرض الممسوسة، وينتخب عدداً من الوجوه ليرسمها، علّها تكون كافية، ليلخّص من خلالها قارّة عظيمة اسمها قارّة النساء. ثمّة فوارق بين وجه وآخر، اختلافات في الخطوط والخَلَجات، ولكنّ هناك ما يجمعها ويوحّد بينها، ويحيلُها إلى ينبوع الأنوثة الفائض المتعدّد.مثل طفل يتعثّر عليّ بما هو مدهش وغريب، ويشرع فرشاته ليقبض ولو على قبس ضئيل من ذلك النّور البعيد الذي يتلألأ. في غمرة بحثه المحموم عن معنى الأنوثة، يكتشف عليّ بمزيد من اللوعة، أنّه في الواقع لا يقف أمام وجه حقيقي، بقدر ما يقف أمام قناع!كلّ وجه وله قناعه إذن! ووراء ذلك القناع يكمن كلّ ذلك البهتان الجميل. غير أنّ الحيرة تتواصل، فهو ما إن يقشّر ذلك القناع حتى يجد قناعاً آخر يختبئ خلفه. قناع وراء قناع وراء قناع! والمعنى الذي يبحث عنه غائرٌ في تلافيف تلك الأقنعة. لكأنّ الخطوط والألوان تضلّله، وهو إذ يحاول الوصول إلى المعنى يصل إلى أرض السّراب. ولعلّ أرض السّراب تلك هي أرض الفنّ.في الوجوه التي يرسمها عليّ، أو في هذه الأقنعة التي نقف أمامها،نجد باستمرار تلك العيون الواسعة التي تتأمّل العالم. لكأنّها تقرأ طوالعها، وتستقرئ ما ينتظرها من مفاجآت. ولكنّها في الوقت نفسه، تبدو وكأنّها تتأمّل داخلها الهائج المحتدم. وهكذا فهي تنظر إلى ذلك الدّاخل، وتتفرّس ملكوتها المكنون، كأنها تحرسه من شرور الخارج، وأحابيله الماكرة.بدأب يشتغل عليّ على نسائه، بخفّة يَدٍ يطيّر فرشاته في فضاء اللوحات، لتطال ارتجافات الأعماق والأحلام المخبوءة التي تهجس بها وجوه تلك النّساء. لقد سهر وشقي من أجل أن يقدّمهنّ إلى المشاهد على هذه الصّورة التي تبدو عفويّةً وبسيطة، كأنّهنّ لسن نساء لوحات وأساطير، بقدر ما هنّ نساء حقيقيّات من لحم ودم.ولأنّ الجمال يشيخ ويتهدّم، فقد لجأ علي إلى فكرة اللوحة المنحوتة. وهي تلك الفكرة التي أقنعت الفنّان القديم في أن يحوّل الإنسان إلى هيئة تمثال، لا تطاله يدُ الدّهر بأذى، وقد عبّر عن هذه الفكرة بدقّة، الشاعر الجاهلي (تميم بن مقبل) حين قال: «ما أطيب العيشَ لو أنّ الفتى حجرٌ // تنبو الحوادثُ عنهُ وهو ملمومُ». لقد جسّد عليّوجوه النّساء التي رسمها على هيئة منحوتات، ولكنها منحوتات لا تزال تتنفّس وتحلم وتواصل الحياة.وكالة كل العرب الاخبارية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك