المزيد
قرن من العبث بالجغرافيا.. لتقسيم العالم العربي

التاريخ : 31-05-2015 |  الوقت : 01:29:57

لا تبدو الجغرافيا السياسية والديموغرافية العربية هذا الأوان بعيدة تماما عما كانت عليه قبل مئة سنة مضت، ففي شهر حزيران سنة 1914 كان العالم العربي اشبه ما يكون عليه حاله في مطلع شهر حزيران سنة 2015 ، صراعات من كل حدب وصوب، ومشكلات وصراعات داخلية تعصف بكل ما هو عربي، وتكالب استعماري بغيض أنجز بعض مشاريعه ولا يزال بانتظار الانقضاض على ما تبقى من خريطة العالم العربي.

في نهاية شهر حزيران سنة 1914 اندلعت الحرب العالمية الاولى، وكان العرب جزءا رئيسيا من وقودها البشري، قبل ان تتحول الجغرافيا العربية الى جوائز سائغة يتقاسمها المنتصرون بعد ان قضى الرجل المريض"الدولة العثمانية " نحبه.

وما أشبه الليلة بالبارحة ــ كما تقول العرب في أمثالها ــ ففي سنة 1914 كانت الخطط على اللعب بالطوائف تأخذ مكانتها في إذكاء وخلق الصراعات داخل الجغرافيا العربية، وكانت الخطط لتقسيم المنطقة العربية بكامل تفاصيلها تأخذ هي الأخرى نصيبها الكبير من افكار وخطط الرجال الذين تعودوا على وضع الخرائط تمهيدا لتطبيقها فيما بات يعرف في حينه بـ"اللعبة الكبرى"

التقسيم الطائفي في أول تقارير الغرب

ولم تكن خطط السيدين سايكس وبيكو لتقسيم وتجزئة الشرق العربي وليدة الصدفة، فقد كانت الخطط والتقارير تأخذ هي الأخرى مكانتها في الدفع نحو إنجاز مشروع التقسيم المشرقي، وهو ما عرف لاحقا بمشروع سايكس وبيكو اللذين انقلبا على كل تعهداتهما للعرب وللشريف الحسين بن علي بمنح العرب استقلالهم الكامل وحريتهم السيادية والوطنية في حكم أنفسهم.

وبين يدينا وثيقة تاريخية في غاية الأهمية تشرح حال العرب قبل مئة سنة مضت، وكان الذي وضع هذا التقرير هو السير مارك سايكس الذي عرف لاحقا بثنائيته الشهيرة سايكس ــ بيكو، وقد كتب هذا التقرير قبل توقيع اتفاقه مع نظيره بيكو في تقاسم املاك الرجل المريض في المشرق العربي.

لقد رأى السير سايكس في تقريره الذي كتبه سنة 1914 للخارجية البريطانية، ويشرح فيه احوال العرب وطوائفهم، ان العرب ينقسمون الى اربع مجموعات وهم، عرب الجزيرة، وعرب بلاد ما بين النهرين، والسوريون، وعرب شمال العراق والجزيرة.

وراى سايكس ان عرب الجزيرة ينقسمون الى عدة مجموعات، فعرب الحجاز سنة، وعرب نجد وهابيون، وعرب ساحل الخليج سنة، وعرب مسقط"عمان" اباضيون، وعرب اليمن وعسير شيعة، وعرب حضرموت خليط من السنة والشيعة.

ونفى سايكس في تقريره ان يكون لدى سكان الجزيرة العربية اي شعور بالوطنية بقدر ما تسود فيهم مشاعر الدم والعرق واللغة، مشيرا الى حالة الصراعات والحروب التي تشهدها المنطقة، وكيف ان القبائل تغير ولاءاتها وتحالفاتها باستمرار.

وراى سايكس ان انغلاق سلطنة عمان وانعزالها عن باقي الجزيرة العربية شكل عنصرا فاعلا في رسم الوضع فيها، بينما راى سايكس ان اليمن اشبه ما يكون بنظام الدولة بالمفهوم الاوروبي بسبب طول فترة الاستقرار، نافيا وجود اي تشابه او ملامح مشتركة بين المذهب الشيعي في اليمن "المذهب الزيدي"، وبين المذهب الشيعي في كربلاء "العراق".

ويؤكد المقدم سايكس في تقريره ان الشريف الحسين بن علي في مكة يتمتع بمكانة مرموقة بفضل شخصيته ونسبه والموارد المالية التي يتمتع بها والحكم فضلًا عن عدد ضئيل جدًا من الأعداء والخصوم ممن لا قوة ولا نفوذ لديهم، وعلاقاته بإمام صنعاء وابن الرشيد وابن سعود جيدة بحيث يمكنه أن يضمن اعترافهم به كحاكم أعلى شريطة أن تكون الظروف الأخرى مواتية له، ولاشك أن قبائل بني صخر وشرارة والعشائر التي تحيط بالكرك بين المدينة والمناطق الزراعية من سورية ستنضم للشريف نظرًا لكرههم الشديد للأتراك الذين عانوا منهم الكثير من الضيم في الماضي.

وقسم سايكس عرب ما بين النهرين "العراق" الى خمسة اقسام حسب توزيعهم الجغرافي والطائفي، وركز على سكان النجف وكربلاء قائلا: "ان هذه المدن معقل الشيعة وتتميز بعمق وشدة المشاعر الدينية الخاصة بالمذهب الشيعي، وهم يكرهون المسيحيين كرهًا شديدًا بل ويكرهون السنّة سواء كانوا عربًا أم أتراكًا أكثر من المسيحيين، كما يكنون بغضًا للفرس على أساس عرقي، وعلى ذلك فإن هذه المنطقة تمثل مشكلة قائمة بذاتها، فسكانها منقسمون على أنفسهم وليس لديهم ولاء لأية حركة خارجية.. وبالتالي فإن حركة القومية العربية لن تجد لها أرضًا خصبة هنا، كما وليس لشريف مكة أتباع فيها".

اما عن سورية، فإن الوضع فيها ـ حسب سايكس ـ مختلف عن عرب الجزيرة وبلاد ما بين النهرين "لأن الحضارة المادية والفكرية لسورية متفوقة تمامًا على باقي أجزاء الإمبراطورية العثمانية بل وتتطابق في كثير من جوانبها مع حضارة جنوب أوروبا، فهي ند لإسبانيا أو البحر الكاريبي أو صقلية".

ويؤكد سايكس على ان" الأتراك العثمانيين لم يكن لهم تأثير يذكر في السوريين، وتعتبر كل من القدس ودمشق وبيروت ولبنان وحلب من المناطق الرئيسية ذات التأثير والنفوذ. ففي القدس يعيش المسلمون والمسيحيون جنبا إلى جنب في تنشئة واحدة، وذلك بسبب مخاوفهم من اليهود في جانب منه وبسبب ضرورة التعامل فيما بينهم الذي تفرضه عليهم مواسم الحج والسياحة، وهناك ميل شديد للثقافة الفرنسية والإنكليزية في أوساط الأجيال الناشئة المنتمية للطبقة الأرستقراطية في دمشق".

وأما ما يتعلق بلبنان فقد قال السير سايكس، ان بيروت تعتبر الباعث الأقوى للتأثير الأوروبي في العقلية العربية والسورية نظرا لوجود الكلية اليسوعية الفرنسية والكلية البروتستانتية، وتعتبر لبنان أكثر مناطق سورية تطورا وتقدما، ورغم ذلك فلا تزال هناك بعض مشاعر الخصومة والعداء بين الموارنة والدروز من جانب، والموارنة والمسلمين من جانب آخر سائدة خارج جبل لبنان، علمًا أن الطبقات المتعلمة والمثقفة تحاول بجهود حثيثة تحييد هذه المشاعر واجتثاث هذا الشر".

ويضيف سايكس ان المنطقة الأخيرة والواقعة بين طرابلس ولواء الاسكندرية ومرعش ومسكين فيتركز فيها التأثير والنفوذ التركي نظرًا لاختلاط الأتراك مع المستوطنين الأكراد، ولوجود الأرمن في الكثير من أجزاء هذه المنطقة. ونتيجة لذلك ظهر جيل جديد من الأتراك يمكن اعتبارهم عربا نظرا لانتمائهم للجيل الثاني من الأتراك. كما تزداد الاستجابة للقضية الأرمنية التي من شأنها أن ترص صفوف الدهماء من الناس إلى جانب الأتراك في القضايا السياسية.

اما المجموعة الرابعة قتضم العرب والاكراد معا ويتوزعون على ديار بكر ــ اورفا، وشمال الجزيرة، والموصل ـ كركوك ـ بغداد، وتتألف ديار بكر- أورفا من أقوام تركية كردية، وهي متورطة بشكل كبير في مذابح الأرمن، وبالتالي فهي لا تعتبر جزءًا من الحركة العربية. أما منطقة شمال الجزيرة فسكانها من الأكراد والعرب البدو، وهم ضد سكان مدينة ديار بكر. ويقف الأكراد في هذه المطقة إلى جانب العرب في مناهضتهم للأتراك، وهم حتى الآن غير متورطين في القضية الأرمنية.

وعن اوضاع الموصل يقول السير سايكس: ان" الموصل منطقة ممتازة للحركة العربية، والعلاقات فيها بين المسيحيين والمسلمين بشكل عام جيدة، وإذا توافرت عوامل خارجية جيدة يمكنها أن تندمج بسهولة. أما كركوك فهي واقعة تحت التأثير الكردي، لكن الأكراد المثقفين يقفون إلى جانب العرب. وأما بغداد وإلى الشمال منها فهي تحت تأثير الوجود الفاعل لليهود والشيعة. فأما الشيعة فهم بحاجة إلى التضامن، بينما اليهود الذين يبلغ تعدادهم نحو 50.000 نسمة فهم موالون للعثمانيين ولحزب الاتحاد والترقي، أما باقي العرب في هذه المنطقة فهم يقفون بالطبع مع العرب، وكذلك حال أتراك بغداد أي الأتراك ما قبل العهد العثماني."

سايكس يقترح ربيعا عربيا ضد تركيا

امام المعطيات السابقة التي اوردها السير سايكس في تقريره عن احوال العرب، فقد اقترح الإعلان عن انتفاضة عربية في أراضي المسلمين التابعة للإمبراطورية البريطانية وفق خطة سياسية تستند الى خطاب سياسي يحمل فيه الاتراك العثمانيون مسؤولية ما آلت اليه احوال العرب، والتاكيد على ان السياسات العثمانية وتبعية القسطنطينية "اسطنبول حاليا" للنفوذ الالماني قد أوصلت الأمور إلى حافة الهاوية، وبأن الوقت قد حان للتخلص من نير الحكم التركي والدفاع عن استقلال العرب والمسلمين، وان بريطانيا كانت على الدوام تنظر إلى التطلعات العربية بعين التعاطف. ولكنها وبسبب صداقة العرب التقليدية لتركيا فقد كانت مرغمة على إبداء التحفظ في الماضي. أما وقد ارتمت تركيا الآن في أحضان دول المحور فإن بريطانيا تجد نفسها في حل من ارتباطاتها، وأنه يمكنها الآن أن تقدم دليلًا على تعاطفها مع العرب الذين اصطفوا إلى جانب الحلفاء ضد عدو مشترك، وان تتعهد بريطانيا بابقاء الاماكن المقدسة تحت سلطة وحكم المسلمين".

ولم يمض وقت طويل على تقرير السير سايكس ومقترحاته بالاعلان عن قيام ثورة عربية ضد تركيا" ربيع عربي ضد العثمانيين"، وحدث هذا سنة 1916 عندما اندلعت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي، إلا أنه تعرض لخيانة من بريطنيا نفسها عندما ألقت بكل تعهداتها له خلف ظهرها، وبعد ان ظهرت الاتفاقيات السرية بين ممثلي الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية بيكو وسايكس، تلاهما المشروع البريطاني المشؤوم المعروف بوعد بلفور الصادر سنة 1917الذي تعهد بانتزاع فلسطين من قلب العالم العربي ومنحها "وطنا قوميا لليهود".

ان من الملاحظ تماما ان ربيع العرب في القرن الحادي والعشرين تمثل بالثورة العربية الكبرى التي تعرضت لخيانة بريطانية مباشرة، بينما تمثل ربيع العرب في القرن الحادي والعشرين بالثورات العربية التي بدأت بتونس ولا تزال نيرانها مشتعلة في سورية واليمن والعراق.

مشروع التقسيم الإسرائيلي طائفيا وعرقيا

لم تكن مشاريع باريس ولندن لتقسيم المنطقة العربية مطلع القرن العشرين المنصرم وحدها القائمة في ساحة الطموحات الغربية تجاه المنطقة، فقد كانت هناك داخل الدول العربية نفسها طوائف واعراق تنزع هي الاخرى نحو التقسيم والانقسام من أجل تحقيق طموحاتها الوطنية بالاستقلال عن الوطن الام، وبعضها نجح الى حد ما، وبعضها الآخر لا يزال يناضل من اجل تحقيق اهدافه الانفصالية.

بعد مرور نحو 65 سنة وضعت دولة الاحتلال الصهيوني مشروعها لتقسيم العالم العربي، وقامت مجلة "كيفونيم اتجاهات" وهي مجلة صهيونية متزمتة تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، وترفع شعار "من اجل اليهودية والصهيونية" بنشره في عددها الصادر في شهر شباط سنة 1982، وقام بتحريره كل من إيلي إيال، يورام بيك، أمنون هادارى، يوهانان مانور، اليعازر شفايد، ، ونشرها قسم الإعلانات، المنظمة الصهيونية الدولية ــ القدس، ووصفها اسرائيل شاحاك في حينه بانها" تمثل الخطة الدقيقة والواضحة للنظام الصهيوني الحالي "نظام شارون وإيتان" للشرق الأوسط الذي يقوم على تقسيم المنطقة كلها الى دويلات، وحل كل الدول العربية الموجودة حاليا". ولم يتنبه احد اليها في العالم العربي الا المرحوم د. عصمت سيف الدولة الذي دفع بترجمتها من اللغة العبرية الى العربية، واستخدمها في دفوعاته عن المتهمين في قضية "تنظيم ثورة مصر سنة 1988″.

ولم تبتعد الخطة الصهيونية في وضف حال العالم العربي عما وصفه به السير سايكس قبل حوالي 65 مضت، فقد رات الخطة ان العالم العربي والإسلامي بمثابة برج من الورق أقامه الأجانب ( فرنسا وبريطانيا في العشرينيات) ، دون أن توضع في الحسبان رغبات وتطلعات سكان هذا العالم، وتم تقسيمه إلى 19 دولة كلها تتكون من خليط من الأقليات والطوائف المختلفة، التي تُعادي كل منهما الأخرى، وعليه فان كل دولة عربية إسلامية معرضة اليوم لخطر التفتت العرقي والاجتماعي في الداخل إلى حد الحرب الداخلية كما هو الحال في بعض هذه الدول.

ورأت الخطة أن إضافة الوضع الاقتصادي الى هذه الحال فانه يتبين لنا كيف أن المنطقة كلها، في الواقع، بناء مصطنع كبرج الورق، لا يمكنه التصدي للمشكلات الخطيرة التي تواجهه.

وضع مصر وتقسيمها

رات الخطة الصهيونية ان الاقلية المسيحية في مصر "الآقباط" قد يطالبون باقامة دولتهم الخاصة على غرار"دولة لبنانية مسيحية" في مصر، وان الملايين من السكان على حافة الجوع، نصفهم يعانون من البطالة وقلة السكن في ظروف تعد أعلى نسبة تكدس سكاني في العالم، وبخلاف الجيش فليس هناك أي قطاع يتمتع بقدر من الانضباط والفعالية، والدولة في حالة دائمة من الإفلاس بدون المساعدات الخارجية الأمريكية التي خُصصت لها بعد اتفاقية السلام.

وترى الخطة أن مصر بطبيعتها وبتركيبتها السياسية الداخلية الحالية هي بمثابة جثة هامدة فعلًا بعد سقوطها، وذلك بسبب التفرقة بين المسلمين والمسيحيين التي سوف تزداد حدتها في المستقبل، وإن تفتيت مصر إلى أقاليم جغرافية منفصلة هو هدف (إسرائيل) السياسي في الثمانينيات على جبهتها الغربية، وإن مصر المفككة والمقسمة إلى عناصر سيادية متعددة، على عكس ما هي عليه الآن، لن تشكل أي تهديد لدولة (إسرائيل) بل ستكون ضمانًا للزمن و"السلام" لفترة طويلة، وهذا الأمر هو اليوم في متناول أيدينا، وإن فكرة إنشاء دولة قبطية مسيحية في مصر العليا إلى جانب عدد من الدويلات الضعيفة التي تتمتع بالسيادة الإقليمية في مصر ـ بعكس السلطة والسيادة المركزية الموجودة اليوم ـ هي وسيلتنا لإحداث هذا التطور التاريخي.

ليبيا

إن دولا مثل ليبيا والسودان والدول الأبعد منها لن يكون لها وجود بصورتها الحالية، بل ستنضم إلى حالة التفكك والسقوط التي ستتعرض لها مصر. فإذا ما تفككت مصر فستتفكك سائر الدول الأخرى، كما أن الرئيس معمر القذافي يشن حروبه المدمرة ضد العرب أنفسهم انطلاقًا من دولة تكاد تخلو من وجود سكان يمكن أن يشكلوا قومية قوية وذات نفوذ.

السودان

وترى الخطة الصهوينية أن السودان من أكثر دول العالم العربي الإسلامي تفككًا لأنها تتكون من أربع مجموعات سكانية كل منها غريبة عن الأخرى، فمن أقلية عربية مسلمة سنية تسيطر على أغلبية غير عربية أفريقية إلى وثنيين إلى مسيحيين.

سورية

وتعتقد الخطة الصهيونية ان سورية لا تختلف اختلافًا جوهريًا عن لبنان الطائفية باستثناء النظام العسكري القوي الذي يحكمها. ولكن الحرب الداخلية الحقيقية اليوم "سنة 1982 " بين الأغلبية السنية والأقلية الحاكمة من الشيعة العلويين الذين يشكلون 12 % فقط من عدد السكان، تدل على مدى خطورة المشكلة الداخلية.

وتؤكد على ان سورية سوف يتم تفتيتها تبعًا لتركيبها العرقي والطائفي إلى دويلات عدة كما هو الحال الآن في لبنان، وان تفكيك سورية والعراق في وقت لاحق إلى أقاليم ذات طابع قومي وديني مستقل، كما هو الحال في لبنان، هو هدف دولة (إسرائيل) الأسمى في الجبهة الشرقية على المدى القصير.

وتشير الخطة الى ان اربع دويلات طائفية وعرقية ستظهر في سورية تتمثل بالدولة العلوية على الشاطئ السوري على البحر المتوسط، ودويلة سنية في حلب، ودويلة سنية أخرى في دمشق ستكون على عداء مع الدولة السنية في حلب، ودويلة درزية في الجولان التي تقع تحت السيطرة الاسرائيلية، ودويلة اخرى في حوران وشمال الأردن، وسوف يكون ذلك ضمانًا للأمن والسلام في المنطقة بكاملها على المدى القريب، وهذا الأمر هو اليوم في متناول أيدينا.

العراق

ولا يختلف العراق عن سورية ــ حسب الخطة الصهيونية ــ إلا أن العراق يختلف عن جارته في سورية، كونه يضم الاغلبية الشيعية ــ حسب راي الوثيقة ــ كما أن 65 % من السكان ليس لهم أي تأثير في الدولة التي تشكل الفئة الحاكمة فيها 20 % إلى جانب الأقلية الكردية الكبيرة في الشمال، ولولا القوة العسكرية للنظام الحاكم وأموال البترول، لما كان بالإمكان أن يختلف مستقبل العراق عن ماضي لبنان وحاضر سورية.

وتؤكد الخطة ان "بشائر" الفرقة والحرب الأهلية تلوح فيها اليوم، خاصة بعد تولي الإمام الخمينى الحكم "تولى الخميني الحكم سنة 1979 بعد نجاح الثورة الايرانية"، الذي يُعتبر في نظر الشيعة العراقيين زعيمهم الحقيقي وليس الرئيس صدام حسين، وإن العراق الغنية بالبترول التي تكثر فيها الفرقة والعداء الداخلي هي المرشح التالي لتحقيق أهداف (إسرائيل).

وتضيف: "إن تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سورية وذلك لأن العراق أقوى من سورية، وان في قوة العراق خطورة على دولة (إسرائيل) في المدى القريب أكبر من الخطورة النابعة من قوة أية دولة أخرى، وسوف يصبح بالإمكان تقسيم العراق إلى مقاطعات إقليمية طائفية كما حدث في سورية في العهد العثماني، وبذلك يمكن إقامة ثلاث دويلات (أو أكثر) حول المدن العراقية، وهي دولة في البصرة، ودولة في بغداد، ودولة في الموصل، بينما تنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن الشمال السني الكردي في معظمه.

لبنان

ترى الخطة ان لبنان مقسم ومنهار اقتصاديا لكونه ليس به سلطة موحدة، بل خمس سلطات سيادية، وان تفتيت لبنان إلى خمس مقاطعات إقليمية يجب أن يكون سابقة لكل العالم العربي بما في ذلك مصر وسورية والعراق وشبه الجزيرة العربية.

السعودية والخليج

ترى الخطة أن جميع إمارات الخليج وكذلك السعودية قائمة على بناء هش ليس فيه سوى البترول، وفي البحرين يشكل الشيعة أقلية السكان ولكن لا نفوذ لهم، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة يُشكل الشيعة أغلبية السكان، وكذلك الحال في عُمان، وفي اليمن الشمالية وكذلك في جنوب اليمن… توجد أقلية شيعية كبيرة، وفي السعودية نصف السكان من الأجانب المصريين واليمنيين وغيرهم، بينما القوى الحاكمة هي أقلية من السعوديين، وأما في الكويت فإن الكويتيين الأصليين يُشكلون ربع السكان فقط.

وتتباكى الخطة على مصير عوائد النفط قائلة إن دول الخليج والسعودية وليبيا تُعد أكبر مستودع للبترول والمال في العالم، ولكن المستفيد من كل هذه الثروة هي أقليات محدودة لا تستند إلى قاعدة عريضة وأمن داخلي، وحتى الجيش ليس باستطاعته أن يضمن لها البقاء، وإن الجيش السعودي، بكل ما لديه من عتادٍ، لا يستطيع تأمين الحكم ضد الأخطار الفعلية من الداخل والخارج. وما حدث في مكة عام 1980 ليس سوى مثال لما قد يحدث. وتؤكد الخطة أن شبه الجزيرة العربية بكاملها يمكن أن تكون خير مثال للانهيار والتفكك كنتيجة لضغوط من الداخل ومن الخارج، وهذا الأمر في مجمله ليس بمستحيل على الأخص بالنسبة للسعودية سواء دام الرخاء الاقتصادي المترتب على البترول أو قل في المدى القريب. إن الفوضى والانهيار الداخلي هي أمور حتمية وطبيعية على ضوء تكوين الدول القائمة على غير أساس.

المغرب العربي

وراهنت الخطة ــ في حينه ــ على ما سمته الحرب الاهلية في المناطق الجبلية في الجزائر، كما أن المغرب والجزائر بينهما حرب بسبب المستعمرة الصحراوية الإسبانية، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية التي تعاني منها كل منهما، كما أن التطرف الإسلامي يهدد وحدة تونس.

الأردن وفلسطين

واعتبرت الخطة ان عمان هدف استراتيجي اسرائيلي عاجل وللمدى القريب لأنها تشكل تهديدا حقيقيا على المدى البعيد بعد تفتيتها مرجحة ان يبقى الأردن على حالته وتركيبته الحالية لفترة طويلة. إن سياسة دولة (إسرائيل) ـ إما بالحرب أو بالسلم ـ يجب أن تؤدي إلى تصفية الحكم الأردني الحالي ونقل السلطة إلى الأغلبية الفلسطينية، وإن تغيير السلطة شرقي نهر الأردن سوف يؤدي أيضًا إلى حل مشكلة المناطق المكتظة بالسكان العرب غربي النهر سواء بالحرب أو في ظروف السلم.

وأضافت إن زيادة معدلات الهجرة من المناطق وتجميد النمو الاقتصادي والسكاني فيها هو الضمان لإحداث التغير المنتظر على ضفتي نهر الأردن، ويجب عدم الموافقة على مشروع الحكم الذاتي أو أي تسوية أو تقسيم للمناطق، وإنه لم يعد بالإمكان العيش في هذه البلاد في الظروف الراهنة دون الفصل بين الشعبين بحيث يكون العرب في الأردن واليهود في المناطق الواقعة غربي النهر.

وتقول إن التعايش والسلام الحقيقي سوف يسودان البلاد فقط إذا فهم العرب بأنه لن يكون لهم وجود ولا أمن دون التسليم بوجود سيطرة يهودية على المناطق الممتدة من النهر إلى البحر، وأن أمنهم وكيانهم سوف يكونان في الأردن فقط، وإن التميز في دولة (إسرائيل) بين حدود عام 1967 وحدود عام 1948 لم يكن له أي مغزى، وفي أي وضع سياسي أو عسكري مستقبلي يجب أن يكون واضحا بأن حل مشكلة عرب فلسطين 48 سوف يأتي فقط عن طريق قبولهم بوجود (إسرائيل) ضمن حدود آمنة حتى نهر الأردن وما بعده.

وتبعا لمتطلبات وجودنا في هذا العصر الصعب الذري الذي ينتظرنا قريبا ــ تقول الوثيقة ـ فإنه ليس بالإمكان الاستمرار بوجود ثلاثة أرباع السكان اليهود على الشريط الساحلي الضيق والمكتظ بالسكان في هذا العصر الذري، وإن إعادة توزيع السكان هو إذن هدف استراتيجي داخلي من الدرجة الأولى، وبدون ذلك لن نستطيع البقاء في المستقبل في إطار أي نوع من الحدود. إن مناطق (يهودا والسامرة) والجليل هي الضمان الوحيد لبقاء الدولة.

وتضيف إذا لم نشكل أغلبية في المنطقة الجبلية فإننا لن نستطيع السيطرة على البلاد. وسوف نصبح مثل الصليبيين الذين فقدوا هذه البلاد التي لم تكن ملكا لهم بالأصل وعاشوا غرباء فيها منذ البداية، وإن إعادة التوازن السكاني الاستراتيجي والاقتصادي لسكان البلاد هو الهدف الرئيسي والأسمى لدولة (إسرائيل) اليوم، وإن السيطرة على المصادر المائية من بئر السبع وحتى الجليل الأعلى، هي بمثابة الهدف القومي المنبثق من الهدف الاستراتيجي الأساسي، الذي يقضى باستيطان المناطق الجبلية التي تخلو من اليهود اليوم.

وقبل الختام..

هذه الخطة الصهيونية التي وضعت قبل نحو33 سنة لا تبدو انها نسيت تماما، فقد بقيت حية في نفوس من وضعها وفي عقلية من آمن بها، ولذلك فكل قادة دولة الاحتلال لديهم افكار شبيهة بما ورد فيها، او هي عينها وذاتها، وما مجموعة الاقطار والمشاريع التي اطلقها قادة دولة الاحتلال لاحقا وعبر السنوات الثلاثين الماضية الا انعكاس حقيقي لما ورد في تلك الوثيقة التي تشبه الى حد بعيد ملحقا متواضعا لبروتوكولات حكماء صهيون التي تضمنت نظرية كيفية تغيير العالم لصالح الصهيونية العالمية ودولة الاحتلال الصهيوني.

وما جرى ويجري حاليا في العالم العربي يتقاطع بصورة وبأخرى مع ما ورد في تقرير السير سايكس بيكو سنة 1914، او ما ورد ورد في خطة المنظمة الصهيونية العالمية سنة 1982، وما تلاهما من خطط اخرى وضعتها مراكز تفكير وخانات افكار كانت الولايات المتحدة الامريكية مصدرها الاكثر نشاطا.

وفي السنوات الاخيرة تعالت الاصوات المطالبة بالتقسيم والتفكيك والتفتيت، ووضعت السناريوهات والخطط واصبح الحديث عن تفكيك الدول العربية حديثا عاديا يتم تداوله في وسائل الاعلام، وكأنها حقائق واقعة على الارض، وهكذا اصبحت الخطط لتقسيم العراق وسورية والسعودية واليمن ومصر وليبيا وكانها حقائق ناجزة تنتظر عامل الوقت لتحقيقها.

ومع ذلك تبقى كلها مجرد افكار وخطط، إلا ان المنتصر في النهاية هو من يضع خرائطه على الطاولة.

وهو فقط من يملك حق حمل قلم الرصاص والعبث بالخرائط كما فعل السير سايكس وبيكو وذلك مساء سنة 1916.

المصدر العرب اليوم

وكالة كل العرب الاخبارية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك