المزيد
اليونان وإدمان المعونة ..

التاريخ : 16-08-2015 |  الوقت : 10:29:44

دامبيسا مويو*


نيويورك - إن أزمة الديون اليونانية الجارية مأساوية لأسباب عديدة، وليس أقل هذه الأسباب أهمية حقيقة مفادها أن علاقة اليونان مع دائنيها تذكرنا بالعلاقة بين العالم النامي وصناعة المعونة. الواقع أن سلسلة عمليات إنقاذ اليونان تجسد العديد من نفس الأمراض التي انتشرت لعقود طويلة عبر أجندة التنمية ــ بما في ذلك العواقب السياسية الطويلة الأمد التي فشلت الأسواق المالية بقدر ما فشل الشعب اليوناني في فهمها.
وكما هي الحال مع برامج المساعدات الأخرى، فإن ما يعادل مئات المليارات من الدولارات تم تحويلها من الاقتصادات الأكثر ثراءً إلى اقتصادات أخرى أكثر فقرا، وكانت العواقب سلبية وإن لم تكن مقصودة. فقد تسبب برنامج الإنقاذ المصمم لمنع اليونان من الانهيار والخروج من منطقة اليورو في ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في البلاد من 130 %  في بداية الأزمة عام 2009 إلى أكثر من 170 % اليوم، في حين يتوقع صندوق النقد الدولي أن تصل أعباء الديون إلى 200 % من الناتج المحلي الإجمالي في غضون العامين المقبلين. وتهدد دوامة الديون هذه التي خرجت عن نطاق السيطرة بسحق مسار النمو في البلاد وزيادة توقعات تشغيل العمالة سوءاً على سوء.
ومثلها كمثل البلدان الأخرى المتلقية للمعونات، أصبحت اليونان حبيسة علاقة اعتماد متبادل مع دائنيها، الذين يقدمون المساعدة في هيئة تخفيف من أعباء الديون بحكم الأمر الواقع من خلال القروض المدعومة وأقساط الفائدة المؤجلة. ولا يتوقع أي شخص عاقل أن تتمكن اليونان على الإطلاق من سداد ديونها، ولكن اليونان أصبحت عالقة في حلقة مفرغة تبدو بلا نهاية من المدفوعات وعمليات الإنقاذ ــ الأمر الذي يجعلها معتمدة على المانحين لمجرد البقاء على قيد الحياة.
ومن جانبهم يجد الدائنون الحافز لحماية اليورو والحد من المخاطر الجيوسياسية المترتبة على خروج اليونان من منطقة اليورو. ونتيجة لهذا، فحتى عندما تفشل اليونان في الوفاء بمطالبات دائنيها ــ ولنقل زيادة الضرائب أو إصلاح نظام التقاعد ــ فإنها تستمر في تلقي المساعدة مع القليل من العقوبات. ومن العجيب أنها كلما تراجع أداؤها الاقتصادي كلما حصلت على المزيد من المساعدات.
الواقع أن العواقب الطويلة الأمد المترتبة على هذه الدورة من الاعتماد قد تكون خطيرة. وما دام الموقف المالي مدعوماً من قِبَل دائنين دوليين، فإن صناع السياسات في البلاد سوف يتمكنون من التخلي عن مسؤوليتهم المتمثلة في إدارة توفير المنافع العامة مثل التعليم، والرعاية الصحية، والأمن الوطني، والبنية الأساسية. وسوف يواجهون أيضاً بضعة حوافز لتوظيف نظام عامل على النحو اللائق لتحصيل الضرائب.
إن الاعتماد على المساعدات يقوض العقد الضمني بين المواطنين وحكومتهم، والذي بموجبه يتعين على الساسة أن يحافظوا على رضا دافعي الضرائب حتى يتسنى لهم أن يستمروا في مناصبهم. ومع مساهمة تدفقات النقد الأجنبي في تخفيف الحاجة إلى العائدات الضريبية، فمن المرجح أن ينفق الساسة المزيد من الوقت في مغازلة المانحين ورعاية ناخبيهم.
الواقع أن ضعف الصلة بين الخدمات العامة والضرائب لا يعمل على تيسير تمسك المسؤولين بالسلطة فحسب، بل إنه يزيد من نطاق الفساد وانعدام الكفاءة. واستناداً إلى تجربة الاقتصادات المتلقية للمساعدات في العالم الناشئ، فربما يجد الشعب اليوناني صعوبة متزايدة في مساءلة حكومته أو معاقبة المسؤولين عن سوء السلوك أو الفساد.
حتى الآن، كان التعامل مع الأزمة اليونانية كما لو أنها ظرف طارئ متكرر، وليست مشكلة بنيوية. ولكن ما دامت البلاد حبيسة هذه الحلقة المفرغة من الاعتماد المتبادل مع دائنيها، فإن حالة الأزمة الدائمة من المرجح أن تستمر.
كانت برامج المساعدات الفعّالة ذات طبيعة مؤقتة دائماً تقريبا، فهي تعمل ــ كما كانت الحال مع خطة مارشال ــ من خلال تدخلات قصيرة وحادة ومحدودة. ولم تحقق الالتزامات المفتوحة، مثل تدفقات المساعدات إلى البلدان النامية الفقيرة غير قدر محدود من النجاح، في أفضل تقدير. وما دام اليونانيون ينظرون إلى المساعدات باعتبارها شيئاً مضمونا، فلن يجدوا في أنفسهم أي حافز حقيقي لوضع بلادهم على المسار نحو الاكتفاء الذاتي. وأياً كان الطريق إلى الأمام بالنسبة لليونان، إذا كان هناك أي أمل في التقدم، فلابد أن يُنظَر إلى المساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي إلى البلاد باعتبارها مؤقتة.
إن قطع الحبل السري في علاقة تقوم على الاعتماد على المساعدات ليس بالأمر السهل أبدا، ولا يوجد سبب يجعلنا نتوقع أن يكون الأمر مختلفاً مع اليونان. والواقع أن وقف التحويلات تدريجيا، حتى بطريقة متروية ومنهجية، لن يفلح إلا عندما يكون المتلقي عازماً على اتخاذ التدابير اللازمة للبقاء بدون المساعدات. وهناك قِلة من الدلائل التي قد تشير إلى أن اليونان جاهزة للسير بمفردها، وطالما استمرت المساعدات في التدفق، فمن غير المرجح أن تتبدل هذه الحال. وبهذا المعنى فإن الأسواق لابد أن تنظر إلى الحالة اليونانية باعتبارها حالة توازن وليست حالة انتقالية. الغد

*دامبيسا مويو مؤلفة كتاب "المعونة الميتة"، وكتاب "الفائز يستحوذ على كل شيء"، وكتاب "كيف ضاع الغرب".
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت

وكالة كل العرب الاخبارية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك