المزيد
أفلام الطبخ: رؤية سينمائية لمهارة إنسانية مشتركة

التاريخ : 28-08-2015 |  الوقت : 10:21:46

حالة من الجدل يخلّفها تقديم هوليود، ما بين الحين والآخر، لفيلم يتحدث عن عوالم الطبخ وصناعة المذاقات، وهي الثيمة المشتركة إنسانياً بين دول وحضارات وشعوب قد تبدو متباعدة سياسياً أو فكرياً، بيد أنها تقتسم أطباقاً ومكونات وطرق طهي تشي بأن ما يجمع البشرية أكثر مما يفرّقها. يأتي المطبخ ليجسر الهوّة، وليعيد التآخي بين شطريّ الشرق والغرب المتباعدين (وإن كان العالم العربي غائباً ويٌستعاض عنه بالهنود في طرح كهذا)، أو بين الأوروبي المعتدّ بثقافته من جهة والأميركي الأكثر مرونة وتقبلاً للآخر من جهة أخرى. تتناول هوليود هذه الثيمة من دون أن تتكبّد عناء تجميل الخطاب العنصري المقيت، الذي عادة ما تسلط هذه الأفلام الضوء عليه، بل هي تقدّمه كما هو حتى وإن كان مستفزاً في بعض الأحيان، وهو ما يجعل التغيير أكثر سرعة ربما. في فيلم «شوكولا»، للمخرج لاس هالستروم، جاء تحضير الحلوى، وتحديداً الشوكولاتة بعالمها الواسع، محرراً من التبعية للرجل اقتصادياً ومن حيث الولاية، وفيه تحرر من الكنيسة ومن الكبت الجنسي والجهل، من خلال حكاية صانعة شوكولاتة تحلّ وطفلتها على الريف الفرنسي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لتغيّر حياة ساكني البلدة من خلال أنواع الشوكولاتة التي تقدّمها لهم بذكاء، كل بحسب حالته. فيلم «الطريق من مومباي إلى باريس»، للمخرج لاس هالستروم أيضاً، ناقش الصورة النمطية التي يحفظها الغرب عن الشرق، أكثر مما يحفظها الشرق عن الغرب، والتي من شأنها خلق مزيد من الجفاء والإشكال. جاء ذلك من خلال حكاية الطاهي الهندي حسن كادام الذي يفرّ وعائلته من القلاقل السياسية التي تودي بحياة والدتهم وتدمر مطعمهم في الهند، نحو ضاحية فرنسية، قبالة مطعم مرموق لأرملة فرنسية تنظر باستعلاء للغرباء. فيلم «الرجل المثالي»، للمخرج مارك روسمان، جاء فيه المطبخ، وتحديداً تزيين الكعكات، مخلّصاً للأم المطلقة العالقة مع ابنتين في لجة المجتمع الأميركي الطاحنة، لتصبح، بعد أن فهمت أبعاد المطبخ الإنسانية والجمالية، غير مكترثة كثيراً بوجود رجل أو عدمه. في فيلم «جوليا وجولي»، للمخرجة نورا إفرون، حرّر الطبخ المرأة المخضرمة من متاعب الغربة في بلاد بعيدة عن بلادها، إلى جانب معاناتها المزمنة من عدم الإنجاب، كما حرّر المرأة المنخرطة في مجتمع أميركا الحديث من فكرة الطبقية، ومن متاعب العيش في حيّ شعبي، وبظروف زواج وعمل دون تطلّعاتها. في فيلم «طعام صلاة حب»، للمخرج رايان مورفي، كانت الإطلالة على المطبخ الإيطالي، لينزل الأميركي من عليائه ويطّلع على ثقافات ذات إيقاع أكثر أصالة وأقل صخباً من الإيقاع الأميركي الطاحن. في فيلم «لا حجوزات»، للمخرج سكوت هيكس، تصل الطاهية الوحيدة والمكتئبة لمرحلة تسوية عاطفية مع الطاهي الإيطالي المنافس لها، وبذا ينحسم النزاع، ويفتتحان مطعماً مشتركاً بينهما. وفي فيلم «الطاهي»، للمخرج جان فافرو، أطلّت هوليود على المطبخ المكسيكي، جاعلة من الطهي مخلّصاً من الأزمات العاطفية والنفسية، بل إن الأميركي نفسه ينحاز لهذا المطبخ الذي قد يكون أكثر بساطة من حيث التكلفة والمكوّنات وديكورات المكان، بيد أنه يتفوق على المطبخ الأميركي الذي يعاني من غياب الهوية. بقدر ما يُحسب لدور العرض تقديمها أفلاماً كهذه، على الرغم من معرفتها المسبقة بأنها تسترعي انتباه شريحة محددة فقط، في مقابل أفلام الحركة والإثارة والرعب التي تستقطب جمهوراً عريضاً، فإنه يُحسب كذلك لحشد من نجوم الصف الأول انضمامهم لفيلم بميزانيات متوسطة في العادة، مثل: سكارليت جوهانسون وداستن هوفمان وروبرت داوني وراسل بيترز. عوامل عدة تتكاتف لتصنع نجاح هذه الأعمال، منها عمق الفكرة المطروقة والتي غالباً ما تجعل المطبخ مكرّساً للحس الإنساني وتقبّل الآخر، بالإضافة لارتباط هذه الأعمال بكثير من النصوص الأدبية المأخوذة عنها وهو ما يُثريها بشكل خاص، عدا عن استعراض وصفات طعام مميزة ما يجعلها مادة مغرية لعشاق المطبخ وليس طرق لحكاية إنسانية فحسب، عدا عن اختيار القدرات التمثيلية التي تضيف للعمل ولا تشكّل عبئاً عليه، وتحديداً الوجه النسائي الذي لا يُراد منه مغازلة الجماهير بل تقديم الدور بأداء متمكن، تماماً كما بطولة الأطفال التي تبرهن دوماً على جدية المخرج الغربي في اختيار ممثليه؛ إذ لم يحدث أن كانت مشاركة الأطفال لمجرد المشاركة، بل يكونون حجراً أساسياً في العمل ويضاهون الممثلين الأكبر عمراً في الأداء، وهو ما كان لافتاً في «الطاهي» و»لا حجوزات» و»شوكولا» و»الرجل المثالي». قد يكون من الصعب، إيجاد عمل عربي يوازي ما سبق، أدبياً وسينمائياً؛ إذ النظرة دونية في الغالب للكتابات والأعمال الفنية التي تتناول الطبخ، كما أن فكرة ثقافة الطعام برمتها غير ناضجة لدى العرب، ويكفي استذكار «طباخ الريّس» لطلعت زكريا لمعرفة البون الشاسع . الدستور - وكالة كل العرب الاخبارية

*أديبة وإعلامية من الأردن



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك