«دردشة ثقافية» زاوية أسبوعية، نطل من خلالها على عوالم مبدعينا الأردنيين والعرب، ونتجول في مشاغلهم الإبداعية، ونتعرف من خلالها إلى أبرز شجونهم وشؤونهم، في مجالات متعددة.
إعداد: نضال برقان
هل ثمة دور للمثقف في الراهن والمعيش، وما طبيعة ذلك الدور باعتقادك؟
- لا دور للمثقف، وغيابه ساهم في انحدار المستوى المعيشي والاجتماعي والفكري، بل إن المثقف كرس جهده ووقته وثقافته في اغتيال الغير وعدم تقبل آراء الآخرين وذهب بعيداً في طعناته ونواياه الملغومة إلى درجة أنه بات يشتغل وينشغل بتحليل النوايا مدفوعاً بأجر بخس دراهم أو ريالات معدودة للذود عن فكرة صماء قاحلة بلا جدوى تسعى للُفرقة والانهزام والتحايل على الحق. يتمثل دور المثقف بالشراكة مع كل ما هو رديء ومحسوب على قوى خارجية تعمل على ما وصلنا إليه، ألا وهو الانحلال الثقافي ورداءة المنتج الفكري والأدبي وتعزيز دور مثقف السلطة وموظف الوزارة وتدافع آخرين على أبواب الطغاة.
] كانت هناك محاولات، قبل أزيد من قرن كامل، لإشاعة وترسيخ التنوير، بوصفه ثقافة ومنهاج حياة، في العالم العربي، وقد فشلت! ولمّا نزل نتخبّط، باعتقادك؛ إلى متى؟
- فشلها انعكس على واقعنا الحالي، وبتنا ندفع ثمن تلك المحاولة قبل أزيد من قرن، وسنظل في حالة التخبط هذه حتى يستيقظ المثقف والمفكر ويكرر تلك المحاولة ويستعيد دوره التنويري الحق، وطالما ظل المثقف رهين أجندات خارجية ويقبض من «ولي النعمة» جزاء تبدل مواقفه واستبدال وعيه بخرافات سياسية وأوهام المعاصرة ولوثة الحداثة والسطو على منتج الآخرين وتحوير الحقائق وفق هواه ورغباته. كما أن التنوير ليس مجازفة ولا وليد لحظة ولا قراراً فردياً، وإنما طوفان يشبه الذي حدث في زمن نوح، إنه خلع الرداءة من الجذور والعمل بصدق لإعادة الاعتبار للحياة واحترام الإنسان، وإشاعة المحبة وعودة اختبار الفنون وتجريبها للخروج بأفكار ومدارس فنية فكرية أدبية جديدة ومختلفة قادرة على إحداث التغيير وقلب الواقع المتخلف وإحلال ثقافة الحياة بدل ثقافة الموت التي للأسف يصفق لها المثقف كما لو أنه استبدل مقعده من بين الناس لصفوف المشجعين في حلبة الموت والقتل والبتر.
] هل ثمة تحديات تواجه الثقافة المحلية الآن؟ وما أبرز تلك التحديات إن وجدت؟
- التحديات كثيرة، أبرزها تكور جماعات ثقافية على نفسها وانغلاقها، وطبعا القضية القديمة الجديدة وهي العصابات والشللية والمحسوبية وتغليب ما هو شخصي على المصلحة العامة وغياب دور النقد واختفاء الناقد وشراء الذمم والمعرفة واستبدالهما بالوضع الراهن الذي يشبه الانفلات الثقافي، حيث باتت الثقافة منهوبة وصارت الكتابة مجانية وغدت الطباعة والمؤلفات كزبد البحر، فلا ضوابط ولا انضباط ولا شروط ولا قوانين تسن لحماية الفنون الانسانية حتى أمست الحياة الثقافية المحلية مرتهنة لمزاج المستبدعين ولثقافتهم التي لا تتعدى المقاهي وما يتداوله العامة أو ما ينظر به المثقف الحقيقي من برجه، فليست ثمة حقيقة ولا بارقة حياة في كثير مما تؤذينا به دور النشر غير مدركة بأنها تسهم في حالة الخراب وتصب الآسن في صحن الإبداع.
] ما هو آخر كتاب قرأته، وما هو انطباعك حياله؟
- أقرأ الكثير عن الثقافة العمانية، البلد الذي أعيش فيه حالياً، كما أنني أتناول بالقراءة بعض أعمال الأدباء والكتاب العمانيين بهدف التعرف على المستوى الثقافي في هذه البلاد. وللحق فإن هناك تجارب إبداعية عمانية معاصرة مختلفة وتستحق أن يتعرف إليها القارئ العربي، مثل روايات يعقوب الخنبشي وقصص خطاب المزروعي وقصائد سيف الرحبي وناصر العلوي وغيرهم من الأدباء العمانيين الذي تجاوزوا أطرهم المحلية.
] على الصعيد الشخصي، ما هي أهم انشغالاتك في الفترة الحالية؟
- أنشغل حالياً بالقراءة والكتابة، وأعمل على مجموعة شعرية أرجو أن تكون مغايرة ومختلفة عن مجموعتي الأخيرة التي لا أشعر حيالها بالرضا، إذ إنها كانت انفعالية وتمثل ردات فعل شاعرية. أعمل الآن على الذهاب أكثر جهة التأمل والبناء الفكري داخل القصيدة واجتراح لغة مختلفة أرجو أن تنال قبولي وقبول القراء، كما أنني أنشغل حالياً على الانتهاء من كتاب نقدي يتناول الشعراء الأردنيين في العشرية الاخيرة من عام 2005 - 2015.
] عندما تتأمل صورتك في المرآة، بوصفك مبدعاً، هل تشعر بالرضا؟
- حقيقة لا أشعر بأي شيء، سوى مشاعر القلق لتأمين كفاف يوم أطفالي وتوفير حياة لائقة ببراءتهم وطفولتهم، وضبط نفسي من الانجراف وراء جوقة العازفين على خراب الأمة، وباعة الضمير المتجولين، فأنا منذ سنين التحقت بصفوف المغتربين العاملين في العلام، سعياً وراء العيش بكرامة بعد أن ساهمت الحكومات المتعاقبة في تسفيه الإعلام المحلي والتقليل من شأنه ووسمه بالتفاهة وعدم المبالاة بالصحافة وسن سكاكين لتقطيع أوصاله وأوصال العاملين به وغلق مسامعها أمام شكوى الزملاء ودفعهم للتسول والاستجداء وتهديد أمنهم الوظيفي ومعاقبتهم على انحيازهم لها. نعم، إنها تكافئ الزملاء بدفعهم إلى الشارع، وبصراحة أحيانا أشعر بأن الصحافة المحلية تستحق كل الذي يصيبها، فلها يد كبيرة بتعزيز الظلم والذود عن الظالم، وكغيري ألتزم الصمت إزاء كثير مما أراه وألجأ للكتابة والتعرف على ثقافات مغايرة ومختلفة هروباً من واقع بات كابوساً.
] على الصعيد الإبداعي، هل ثمة طقوس خاصة تمارسها خلال ممارستك للعمل الإبداعي؟
- حديثاً تعرفت على متعة القراءة والكتابة صباحاً. في السابق كنت أنتظر الليل للكتابة أو القراءة ظناً مني بأنني سأجد فسحة من الهدوء والسكينة والتأمل، غير أني وجدت هذا كله في ساعات الصباح الباكر. وبصراحة، لا أؤمن بأن هناك طقوساً للكتابة، فالكاتب ليس مشعوذاً، وهؤلاء الذين يدعونها يبالغون بتحميل إبداعاتهم طقوساً زائفة ومصطنعة مثل طقوس استحضار الأرواح.. الكتابة بالنسبة لي كالولادة أو الموت.. تأتي دفعة واحدة.. أعود لما كتبت بعد فترة وأبدأ مرحلة النقد الذاتي وأحترم نفسي في نصي ولا أقلل من شأني بهدف إثبات الوجود. وأنا لست غزيراً بالإنتاج الكتابي.
(إسلام سمحان شاعر من الأردن، عضو رابطة الكتاب الأردنيين، له من المجموعات الشعرية: «برشاقة ظل»، «لمن تحمل الوردة»، «هي لا تجلس وحيدة»).
الدستور - وكالة كل العرب الاخبارية