المزيد
عماد الضمور: من الصعب إيجاد حدود فاصلة وثابتة بين الشعر والنثر

التاريخ : 19-09-2015 |  الوقت : 12:15:58

يرى النقاد د. عماد الضمور أن «اللحظة الشعريّة هي لحظة تفاعلية، والمكان هو أحد المؤثرات الباعثة على تفاعل المبدع مع بيئته ووجوده الإنساني، والشاعر الأردني لم يكن بعيداً عن روح أمكنته بل قدّم في دواوينه صورة جمالية رائعة لأمكنة معشوقة وراسخة في الذاكرة».
ويلفت د. الضمر النظر إلى أن أهم ما يُميّز الخطاب المكاني عند الشعراء الأردنيين هو الطابع التصويري الذي رسم من خلاله الشعراء المكان الأردني، ممّا منح نصوصهم الشعريّة بعداً تأثيريّاً جمالياً، انتقلت عدواه للمتلقي ورؤيته الذوقية ومقاييسه النقدية في تأويل النصوص الشعريّة، وإظهار المسافة المتخيلة للصورة الشعريّة».
ولإلقاء المزيد من الضوء حول اشتغالات د. الضمور في المنجز الشعري الأردني كان لنا معه الحوار الآتي:

]   بوصفك ناقداً تخصصت في معاينة وتحليل الشعر الأردني، كيف قرأت اللحظة الشعرية المعاشة وخطابها مكانيّاً؟
ـ اللحظة الشعريّة هي لحظة تفاعلية، والمكان هو أحد المؤثرات الباعثة على تفاعل المبدع مع بيئته ووجوده الإنساني، والشاعر الأردني لم يكن بعيداً عن روح أمكنته بل قدّم في دواوينه صورة جمالية رائعة لأمكنة معشوقة وراسخة في الذاكرة، إذ تجاوزت هذه الصورة طبيعة المكان الواقعية إلى جعل المكان خيالاً تحياه الذات الشاعرة؛ ذلك أن الصورة لها قدرة على تجسيد المكان والحركة والزمان وإعادة إنتاج الفضاء المادي بطريقة جمالية، تستعين بأدوات التشكيل الفني؛ لتخلق الجديد مبرزة الإحساس بالجمال وإدراك جوهر الأشياء.
لقد نظر الشعراء إلى المكان الأردني بوصفه مكاناً منتجاً للشعريّة بمعناها الجمالي ودفقها العاطفي؛ لطبيعة العلاقة الحميمة التي ربطت الشعراء بأمكنتهم الملهمة.
وإذا كان المكان جغرافيّاً هو مساحة ذات أبعاد هندسية محددة، فإنّه ـ إبداعيّاً ـ رؤيا ووجد وإطار للأحداث ومسرح للرؤى ومنبع للعاطفة ومستقر للروح.
إنّ أهم ما يُميّز الخطاب المكاني عند الشعراء الأردنيين هو الطابع التصويري الذي رسم من خلاله الشعراء المكان الأردني، ممّا منح نصوصهم الشعريّة بعداً تأثيريّاً جمالياً، انتقلت عدواه للمتلقي ورؤيته الذوقية ومقاييسه النقدية في تأويل النصوص الشعريّة، وإظهار المسافة المتخيلة للصورة الشعريّة.
لقد وظّف الشعراء المكان الأردني في الشعر توظيفاً واعياً مظهرين فيه ما يمتلكه من طاقات إيحائية، وأبعاد جمالية تُسهم في بناء النص الشعري، ممّا أظهر هذه الأمكنة بوصفها منبعاً خصباً للإبداع ومخلصاً لهموم الواقع وانكساراته.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى حضور شاعر الأردن مصطفى وهبي التل «عرار»، في الخطاب المكاني عند الشعراء الأردنيين؛ لما يمثله من تجربة شعريّة متميّزة منذ نشأة إمارة شرقي الأردن حتى وقتنا المعاصر، إذ أثرت قصائده الشعر الأردني بمفردات المكان النابضة بالانتماء لتراب الوطن، إذ ظهر هذا جليّاً في نتاج كثير من الشعراء، وبخاصة عبدالرحيم عمر، وحيدر محمود، ومحمود فضيل التل، وحبيب الزيودي ومحمود الشلبي، وعبدالله منصور، وسعيد يعقوب وغيرهم من الشعراء الأردنيين؛ فالمكان الأردني ملهم ومكتنز بالرؤى والأفكار.

]   عطفاً على ما سبق، لقد درست المكان في الشعر الأردني في كتابك «عمّان وهج المكان وبوح الذاكرة»، إلى أي مدى استفدت من المناهج النقدية في تحليلك لخصوصية الشعر في المكان الأردني؟
ـ إنّ صورة المكان في الشعر تندرج ضمن سياق معقد تحكمه العملية الإبداعية التي تُلامس عمليتي التفسير والتأويل، ويمتد بإيحاءاته المتشابكة؛ ليكسب المعنى الشعري محمولات دلالية أكثر خصباً، لذلك فإنّ اقتصار عملية التأويل على معطى فكري محدد، يجعل من دراسة صورة المكان في الشعر دراسة ناقصة، إذ لا بدّ من إبراز جوانب أخرى ذات علاقة وثيقة تربط الشاعر بأمكنته، وهي جوانب اجتماعية ونفسية وفلسفية وتاريخية وجمالية، تمنح المكان درجة من العمق في الخطاب وتأثيراً مضاعفاً في الخيال.
لذلك لا يمكن في دراسة المكان الوقوف على منهج نقدي محدد لطبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالمكان، وهي علاقة ذات أبعاد فكرية متعددة، ممّا جعل دراسة الخطاب المكاني في الشعر تقتضي إدراكاً لعمق العلاقة التي يرسخها المكان في ساكنيه.
لذلك جاءت دراستي للمكان في الشعر الأردني منصبة على الأبعاد الفكرية التي عكسها في النصوص الشعريّة، وما حملته من أبعاد قومية ووطنية، ورؤيا رومانسية حالمة، وجغرافيّة للمكان، وأبعد حضارية حملت في كثير من النصوص حالة اغتراب واضحة، فضلاً عن تصوير المكان جماليّاً، وذلك بدراسة التراكيب اللغوية، والصور الشعريّة المختلفة، بعدما ظهر المكان بوصفه بؤرة إيحائية تمارس فعل الامتداد الروحي، والانتشاء العاطفي وفق رؤية جمالية تبوح بفعل العشق، والارتداد إلى ماضٍ عريق.                                      
                                    
]   ألا ترى معي أن الأدب النسوي يُثير مجموعة من الأسئلة الإشكالية، هذه الإشكالية تقودني إلى التساؤل وأنت الدارس للنظرة التأملية في شعر فدوى طوقان، برأيك هل الأدب النسوي يعتمد على الأدب والثقافة الذكورية كما يُقال؟                                      
ـ بدءاً ترفض كثير من الكاتبات التمييز بين الكتابة النسائية والذكورية، وذلك في إطار المساواة بين الكتابتين، فالأدب النسوي لا يلقي اهتماماً بمعايير الرجل؛ لأنه يعكس واقع حياة المرأة بكلّ عفوية وصدق، وهذا يجعله يبتعد عن الثقافة الذكورية إلا عندما يكون الصراع الأنثوي مع عالم الذكور، فعند ذلك تستند الكتابة النسوية في وظيفتها وتكوينها لدحض ما يكتبه الرجل من تكريس لعالم الذكورة وإلغاء لعالم المرأة.                                       
إنّ الثقافة الذكورية تكون حاضرة بوصفها مقابلاً لأنوثة تبحث عن حريتها وتريد تحقيق ذاتها بعدما وجدت كثير من الكاتبات في الثقافة الذكورية عائقاً يمنع من تحقيق وجودها؛ فالإبداع النسوي يسعى إلى مقاومة حالة الاستلاب الفكري الذي تعانيه المرأة استناداً إلى دور رئيس تقوم به في النظام الاجتماعي بعيداً عن سلطة الرجل.إنّ  وعي الأنوثة لذاتها مرئيّ في عالم الكلمات، وقابع في مفردات اللغة يسرد معاناة واضحة وطريقة تعامل مختلفة مع الأشياء.
إنّ الأدب الذي تقدمه المرأة مختلف في شكله ومضمونه عمّا يقدمه الرجل، وهو اختلاف يتعلق بالجانب البيولوجي، فضلاً عمّا تتضمنه تجربة المرأة من انفعالات ومشاعر وأفكار خاصة بعالمها، تنعكس في إبداع المرأة وتظهر في أشكال لغوية وصور ذات طبيعة أنثوية خاصة.                                                                                    

]   قصيدة النثر شكلٌ من أشكال القصيدة العربية، ولها حضورها اللافت في المشهد الثقافي العربي، ويُقال بأن هذه القصيدة قد أفادت الشعريّة العربية، كيف تعلّق على هذه المقولة، وأين تكمن خصوصية هذه القصيدة؟
ـ قصيدة النثر حاضرة بقوة في المشهد الشعري المعاصر؛ بعدما أصبح من الصعب إيجاد حدود فاصلة وثابتة بين الشعر والنثر، فكلاهما يتبطن في أثوابه جوهر الآخر، إذ تأخذ قصيدة النثر من النثر حريته، ومن الشعر فضاءاته التصويرية متجاوزة الوزن إلى مسألة الإيقاع التصويري، كما هو في قصائد أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وغيرهم ممن كتب قصيدة النثر.
 لقد أغنت قصيدة النثر الشعريّة العربية بما قدمته من تقنيات لغوية أثرت اللغة الشعريّة، وبخاصة بما تمتاز به من تكثيف وتوفره من توتّر منتج للصورة وبما تحققه من شفوية دالة، ذلك أن الكتابة تعتمد الكلام بوصفه مخزوناً لغويّاً غير منفصل عن أساسه الاجتماعي العام، فضلاً عمّا تقدمه قصيدة النثر من نماذج راقية للصورة الشعريّة بأنواعها: الذهنية، والحسيّة، والمركبة، وبما تعكسه من رؤيا ذات فاعلية إنسانية ترتبط بالموت، والولادة، وما تعكسه هذه الثنائية من حركة مستمرة تتجاوز الفكر إلى اللغة الشعرية بمجازاتها وتراكيبها المدهشة.
لعلّ خصوصية قصيدة النثر في فاعليتها النصية ذات المستوى الإيقاعي، فهي  وإن خلت شكليّاً من الوزن إلا إن كلماتها ينتظمها إيقاع داخلي بكلّ أبعاده، وذلك بتناوب الحروف، ومزاوجتها، ممّا خلق حالة من الانسجام بين النص ومبدعه.
إنّ قصيدة النثر تنتشر انتشاراً سريعاً بين المبدعين الذين وجدوا فيها فضاءً يحلقون فيه، وحضناً دافئاً يحتضنهم، تستوعب تجاربهم وتتحد بذواتهم، وتجيب عن أسئلتهم العميقة. لذلك فإنها قادمة بقوة؛ لما يشهده العالم من تطور متسارع وتغيّر في البنى الثقافية والفكرية.  

]   برأيك هل ثمة أزمة في النقد، أم أزمة في الإبداع؟
- نعم نحيا أزمة في النقد ناتجة عن أزمة في الإبداع، فتفاوت المستوى الإبداعي ينعكس على المستوى النقدي ويؤدي إلى حدوث فجوة واضحة بينهما
ليس كلّ ما يُنشر من أعمال إبداعية يستحق القراءة، فقد ازدحمت الساحة الثقافية بدور النشر مثلما ازدحمت بالراغبين في نشر أعمالهم بغض النظر عن مستواها الفني، ممّا ملأ المشهد الثقافي بكثير من الكتب التي تقع في طور التجريب وليس الإبداع.
وإذا كانت المعادلة التفاعلية بين المبدع والناقد تقوم على أن المبدع يكتب والناقد يحلل ويتذوق، فإن الواقع يعكس خلاف ذلك من اختلال في الإبداع وتشوه في النقد. لكن هذا لا ينفي وجود أعمال إبداعية ذات مستوى فني راقٍ في مجالي الشعر والنثر، وأسماء أردنية استطاعت التحليق على المستوى العربي، فضلاً عن وجود حركة نقدية نشطة تحاول الوقوف على أبرز ما يٌنشر على الساحة الثقافية، لكن كما يُقال: « كثرة الازدحام تُعيق الحركة».
ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن الحركة الأدبية في الأردن تشهد حالة من الانفجار الإبداعي، ممّا يقتضي وجود حركة نقدية موازية، ترصد، وتحلل، وتصنف، وتُظهر مواطن القوة والضعف في الأعمال الإبداعية بكلّ حيادية وموضوعيّة وعلمية بعيدة عن التعصب الأعمى أو الشللية، لأن الإبداع والنقد كلاهما ينبعان من منبع واحد هو الذات بكلّ مكوناتها ومكنوناتها، وتصبان في بحر واحد هو الإبداع الذي يستحق القراءة والمعبر عن وجدان الأمة وضميرها، والملامس لقضاياها الحية. الدستور - وكالة كل العرب الاخبارية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك