بعد مرور عام على قيام التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، والذي تخطى عدد الدول المشاركة فيه الستون، يرى مراقبون أن هذا التحالف "لم ينجح" في لجم تنظيم "داعش" حتى اليوم، والذي أسس بالأصل لمحاربته، بل إن العكس هو الصحيح، فالتنظيم يتمدد ويحقق انتصارات، ومايزال محتلا للموصل، التي كان سقوطها أحد المحركات الرئيسية لتأليف هذا التحالف.
وقيّم سياسيون وخبراء عسكريون، تحدثت إليهم "الغد"، اداء هذا التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة، بـ"المتواضع"، حيث لم يحقق اهدافه على الأرض، فيما ذهب آخرون الى كيل الاتهام الى اميركا، بأنها تريد استمرارية "داعش"، لخدمة مصالحها، لأنها بخلاف ذلك، كانت استطاعت القضاء على التنظيم، او على الأقل محاصرته ووقف تمدده.
ورأى بعضهم في هذا الصدد، أن على الولايات المتحدة مراجعة استراتيجيتها وتعديلها، عن طريق إنزال قوات برية، سواء اكانت من الدول الحليفة، او من القوات العراقية والكردية، المحضرة جيدا، لمثل هذه المهام.
ويلفت محللون إلى أن بقاء اسماء العديد من الدول شكليا في قائمة التحالف ضد "داعش" يعكس جزءا من الازمة، فيما يلفتون إلى أن الأردن كان من الدول القليلة، على المستوى العربي والدولي، التي تلتزم بدورها في محاربة التنظيم الارهابي، دون هوادة.
عسكريا، يرى مدير مؤسسة المتقاعدين العسكريين اللواء الركن المتقاعد محمود ارديسات، ان استراتيجية أميركا، التي تقود التحالف ضد التنظيم "غير واضحة"، مشيرا إلى أن الخبرة العسكرية تشير إلى أن "الطلعات الجوية وحدها لن تنهي مهمة القضاء على داعش".
ويزيد "في نفس الوقت عوّلت أميركا على قوات عراقية وكردية على الأرض، لإعادة مناطق احتلتها "داعش" بالعراق، ولكن ثبت ان تعويلها ليس في مكانه"، ورأى ارديسات ان اميركا لم تبن قوات عراقية على أسس محترفة، بل إنها "تركت الأمر لبعض السياسيين العراقيين، الذين يتصرفون على طريقة الميليشيات، ومن هنا كان اداء هذه القوات، ضعيفا ومتواضعا".
وعلى الرغم مما أنجزته القوات الجوية للتحالف، إلا أن إنجازاتها بدت متواضعة، "عندما تكيفت "داعش" مع ضربات القوات الجوية، وأصبحت قادرة على إخفاء عناصرها ومعداتها عن التحالف"، بحسب اللواء الطيار المتقاعد ارديسات.
وبالنسبة لتقييمه لأداء التحالف بشكل عام، يقول "اذا اخذنا الهدف النهائي، وهو القضاء على "داعش"، فإن انجازات التحالف متواضعة بقيادة أميركا، خاصة عندما تقوم "داعش" باحتلال الأنبار، بعد سنة على بداية القصف الجوي، على معاقلها في العراق".
ويعتبر الخبير العسكري، ان على الولايات المتحدة الآن مراجعة استراتيجيتها وتعديلها، "اما باعداد قوات برية عراقية وكردية وغيرها، على اسس سليمة وجديدة، وعدم الاعتماد فقط على الحشد الشعبي، او عن طريق إنزال قوات برية حليفة من الخارج".
وختم ارديسات بقوله انه يلاحظ وجود "تكثيف بالطلعات الجوية ضد "داعش"، عندما يكون متعلق بالمناطق الكردية، بحيث تمنع التنظيم من الوصول باتجاه القوات أو الأراضي التي يسيطر عليها اكراد، وهو الأمر الذي لا نراه في مناطق أخرى من العراق أو سورية" بحسبه.
الوزير الأسبق موسى المعايطة يعتبر أن التحالف لم يحقق اهدافه نهائيا، وانه من المفترض أنه يتكون من 60 دولة، إلا ان الدول الفعالة فيه، قليلة، وعلى رأسها الأردن والولايات المتحدة، وقد تبين هذا من الإعلان الفرنسي الأخير بأنهم سيبدأون بالمشاركة بالضربات ضمن التحالف، وكذلك الإعلان البريطاني.
"هذا يعني أنه رسميا، ليس هناك 60 دولة، وللأسف باستثناء الأردن من الدول العربية، فلا دول اخرى، تركز على محاربة الإرهاب، بنفس الأهمية التي توليها الأردن، بل ان دول الخليج، على سبيل المثال، تركز عسكريا على اليمن وليس على التحالف"، بحسب قراءة المعايطة.
وتمنى المعايطة، الذي يلفت إلى تطورات أزمة اللاجئين بعد صور الغرق الاخيرة، ان يتحول التحالف الى "تحالف حقيقي على الأرض، لمحاربة تنظيم "داعش"، لوقف تمدده.
ماليا، ذكرت وزارة الدفاع الأميركية، ان التكلفة الاجمالية للعمليات المتعلقة بـ"داعش"، وصلت إلى حوالي 3.7 مليار دولار اميركي، وذلك منذ بدء العمليات الحركية، قبيل تشكيل التحالف، اي منذ الثامن من آب (اغسطس) 2014، ولغاية الخامس عشر من آب (اغسطس) الماضي، وان معدل التكلفة اليومية لهذه العمليات، يصل الى 9.9 مليون دولار.
كما اظهرت بيانات الوزارة، التي اطلعت عليها "الغد"، ان عملية "العزم الأصيل" وهو الاسم الذي تطلقه الولايات المتحدة على العمليات العسكرية ضد "داعش"، قد ادت لغاية السابع من اب "اغسطس" الماضي، الى تدمير 119 دبابة، و340 عربة مدرعة، واكثر من 3 آلاف مبنى، وحوالي ألفين وستمائة موقع قتالي، وما يقارب الأربعة آلاف هدف آخر لداعش، بمجموع وصل إلى 10 آلاف و684 من الأهداف التي تم تدميرها أو اتلافها.
إلى ذلك، وبرأي عضو مجلس الأعيان، والوزير الأسبق محمد الحلايقة فإن المعطيات تؤشر إلى عدم وجود نية صادقة لانهاء "داعش"، كما انه يعتقد ان هناك اطراف عديدة داخل هذه اللعبة، لا تريد انهاء "داعش" بدليل ان "الضربات الجوية متواضعة في عددها وبنتائجها".
ويعتبر الحلايقة أن أعضاء التحالف يعرفون ان الضربات الجوية لا تنهي حرب العصابات، التي يقودها "داعش"، والذي لا يزال يتمتع بامكانات عسكرية ومالية، تمكنه من السيطرة على مساحات واسعة، في كل من العراق وسورية.
كما ان "اجهزة الاستخبارات لدى دول مختلفة، تعلم جيدا امكانات هذا التنظيم، واماكن وجود قياداته ومصادر تمويله، فهم قادرون على ارسال طائرة بدون طيار لاغتيال زعماء القاعدة في اليمن على سبيل المثال"، على حد قوله.
لذلك يرى الحلايقة، ان هناك علامات استفهام كثيرة، حول أداء التحالف، وحول جدية انهاء هذا التنظيم الارهابي، كما عبّر عن اسفه لأن النزاعات في العراق وسورية "طالت ونتج عنها دمار وقتل كبير"، لكن "مايزال المجتمع الدولي منقسما على نفسه".
وضرب مثالا على هذا الانقسام، بتغير المواقف الأميركية بخصوص الرئيس السوري بشار الأسد، والتي رحبت اخيرا بمبادرة تعاون روسي اميركي لمحاربة "داعش"، وهناك حديث عن بقاء الأسد. ويربط الحلايقة بين هذه التصريحات الأميركية، والتردد والتغير في المواقف تجاه الأسد، بعدم جدية التحالف بقيادة اميركا لانهاء "داعش".
بالنسبة للوزير الأسبق بسام العموش، فان الأمر يعتمد على كيفية رؤيتنا لـ"داعش" كتنظيم، "ان كنا نعتقد انه منظمة اسلامية ارهابية، يكون مسار حديثنا باتجاه اخر"، اما "ان كنا نعتقد ان "داعش" هي صنيعة اجهزة مخابرات سورية ايرانية عراقية صهيونية اميركية، فهذا حديث باتجاه اخر".
وفي حال كون التنظيم صنيعة استخباراتية، بحسب العموش، فان "دور "داعش" لن ينتهي"، ويدلل على ذلك بالتصريحات الأميركية، والتي اشارت الى ان الحرب ضد هذا التنظيم قد تستمر لخمسة عشر عاما، وهو الكلام الذي يراه "غير معقول"، باعتبار ان اية دولة لديها تنظيم ارهابي، فانها تستطيع القضاء عليه خلال مدة وجيزة.
ويعتقد العين السابق والقيادي السابق في الاخوان المسلمين العموش، ان هذا التنظيم اوجدته تلك الدول بالاتفاق مع الحكومة العراقية السابقة.
كما يرى ان التحالف بإمكانه على الأقل "محاصرة التنظيم، ولكننا نراه يتمدد"، ويتساءل: "من اين له الذخيرة واللباس والزي الموحد وإمكانات التصوير الهوليوودي".
يذكر ان الدول الـ62 المشاركة بالتحالف كانت حددت منذ البداية، اسلوب مشاركتها، فبعضها يشارك بالمساعدات الانسانية، فيما تشارك اخرى بالمساعدات اللوجستية، او المادية، بينما اخذت بعض هذه الدول على عاتقها المهمات القتالية الجوية. كما شهد العام الماضي توقف بعض الدول عن المشاركة بالضربات الجوية، ومن ثم عودتها.
يذكر، ان أصواتا عدة شككت منذ تأسيس التحالف بقدرته على القضاء على "داعش"، نظرا لعدم وجود عناصر على الأرض، باعتبار ان القصف الجوي لا يكفي بدون تنسيق وتحرك ارضي. وتشي التطورات الجديدة في الأزمة السورية والحديث عن بناء روسيا لقاعدة عسكرية في اللاذقية، بتحولات قد تطرأ على استراتيجية التحالف.
وكالة كل العرب الاخبارية