شيّعت الأراضي المحتلة، أمس، جثمانيّ شهيديّها اللذيّن سقطا بنيران الاحتلال الإسرائيلي، معلنة الإضراب وحداد السواد على زهاء 86 شهيداً فلسطينياً، منهم 18 طفلاً، منذ الشهر الماضي، تزامناً مع تحويل الاحتلال مدينتيّ القدس والخليل إلى معازل عسكرية مغلقة.
واندلعت مواجهات عنيفة أثناء تشييع آلاف الفلسطينيين للجثمانين في الخليل ورام الله، مما أسفر عن وقوع الإصابات بين صفوف المواطنين، فيما أعلنت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن حالة استنفار، إثر عملية قتل مستوطنيّن وجرح ثالث، أول من أمس جنوب الخليل، حيث صعّدت من حملات التفتيش والاعتقال ومداهمات المنازل والاعتداء على المواطنين.
واستكملت سلسلة عدوانها في القدس المحتلة التي شهدت وتيرة مرتفعة في حملات الاعتقال وهدم عدد من المنازل، وصل عددها إلى أكثر من أربعة، وإغلاق الطرق والحواجز المؤدية إليها، حتى بدّت ثكنة عسكرية معزولة عن بقية أراضي الضفة الغربية المحتلة.
وصحب ذلك مداهمة قوات الاحتلال للعديد من منازل المواطنين الفلسطينيين في أنحاء متفرقة من مدينة القدس المحتلة بحثاً عمّا أسمته بالمطلوبين، بما يتخللها من الاعتداء على ساكنيها والعبث بمحتوياتها وتخريبها عمداً.
وعمّ بلدة حلحول، قضاء مدينة الخليل، والمناطق المجاورة إضراب عام وحداد على روح الشهيد حسن جهاد البو (22 عاماً)، وشهداء الوطن، دعت إليه القوى والفصائل الفلسطينية، عقب مشاركة آلاف الفلسطينيين في تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير في مقبرة الشهداء بالبلدة، بعدما استشهد أول من أمس برصاص الاحتلال خلال مواجهات عنيفة شهدتها البلدة.
وانطلق موكب التشييع المهيب من المستشفى الأهلي، في مدينة الخليل، ضمن مركبة عسكرية ومشاركة رسمية وأمنية واسعة، وصولاً إلى عائلته في حلحول، ومن ثم إلى مسجد النبي يونس لأداء صلاة الجنازة على جثمانه، قبل مواراته الثرى في مقبرة الشهداء.
ورفع المشاركون في الجنازة الأعلام الفلسطينية، ورددوا هتافات تدعو "للوحدة الوطنية والالتفاف حول خيار الانتفاضة ضدّ عدوان الاحتلال"، مطالبين "بالردّ على انتهاكاته وجرائمه العدوانية"، و"بتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني".
وغداة تشييع جثمان الشهيد الشاب؛ اندلعت مواجهات عنيفة بين قوات الاحتلال والمواطنين الفلسطينيين في منطقة الحاووز وجسر حلحول، في الخليل، وذلك إثر اقتحام آليات عسكرية إسرائيلية المكان ومداهمة قواتها للمحال التجارية والمنازل في أنحاء متفرقة من المحافظة.
وقال "المركز الفلسطيني للإعلام" إن "جنود الاحتلال داهموا المنازل والمحال التجارية وقاموا بمصادرة أجهزة التسجيل الخاصة بالكاميرات، إلا أن الشبان تصدوا لهم بالحجارة والزجاجات الفارغة وأشعلوا الإطارات".
وقد أصيب أكثر من خمسة مواطنين بالرصاص الحيّ الإسرائيلي، خلال المواجهات العنيفة التي وقعت عند جسر حلحول، والمدخل الجنوبي للبلدة، والتي تسببت أيضاً في العديد من حالات الاختناق بين صفوف الفلسطينيين جراء استنشاقهم للغاز المسيل للدموع.
معازل وثكنات عسكرية إسرائيلية
تزامن ذلك مع قيام قوات الاحتلال بإغلاق العديد من الطرق الرئيسية والفرعية والمداخل لقرى وبلدات محافظة الخليل، بالسواتر الترابية والمكعبات الاسمنتية، وعزل القرى الغربية لمدينة دورا، باستثناء المدخل الشمالي للخليل الذي أبقته مفتوحاً، جزئياً، أمام حركة التنقل.
ونصبت العديد من الحواجز العسكرية في مناطق متفرقة من المحافظة، ومنعت المواطنين من الحركة، وأغلقت مداخل مثلث بيت عينون والنبي يونس، ومنعت الشباب من هم دون الثلاثين عاماً من الخروج من مدينة الخليل وسعير.
كما اقتحمت قوات الاحتلال مقر محكمة صلح دورا، حيث قامت بتكسير وتحطيم الأبواب الموصدة داخل المجمع، وصادرت تسجيلات كاميرات المراقبة من المقر والمحال التجارية المجاورة، ومن على غالبية شوارع بلدات وقرى جنوب الخليل بعد اقتحام المحال التجارية ومداهمة المنازل.
وفرضت إغلاقاً على بلدة الظاهرية من كافة المداخل؛ حيث نصبت السواتر الترابية والحواجز عند المدخل المؤدي لقرية الرماضين، وحرمت الفلسطينيين في الأراضي المحتلة العام 1948 من مواطنيّ النقب المحتل من بلوغ البلدة، فيما نصبت حاجزاً عسكرياً عند مدخل مستوطنة "حاجاي" في الطريق المؤدي للخليل، مما أجبر المواطنين لسلوك طرق وعرة للتنقل.
وعزل جيش الاحتلال بالسواتر الترابية "اسكاريا"، حيث يقطن قرابة 150مواطناً، عبر إغلاق مدخلها الرئيسي ومنع السكان من الدخول أو الخروج منها.
وفي موطن محتل آخر، شيع آلاف الفلسطينيين جثمان الشهيد لافي يوسف عوض (21 عاماً)، إلى مثواه الأخير في قرية بدرس غربي رام الله، بعدما أعدم برصاص قوات الاحتلال خلال مواجهات في القرية، وذلك غداة إصابته برصاصة مطاطية في القدم، وبالرصاص الحي في الظهر، عقب اعتقاله.
وانطلق موكب التشييع من مستشفى رام الله الحكومي بجنازة عسكرية، وجابت بعضاً من شوارع رام الله وبيتونيا، قبل أن تنطلق نحو القرية التي تبعد عن رام الله قرابة 25 كيلومتراً.
ومن المستشفى، حمل الشهيد على أكتاف الشبان وصولاً إلى منزله، ومن ثم أداء صلاة الجنازة على روح الشهيد، قبل التوجه به نحو مثواه الأخير في مقبرة القرية.
وباستشهاد الشاب عوض؛ "يرتفع عدد الشهداء إلى 86 شهيداً، منهم 18 طفلا و4 سيدات، في الضفة الغربية وقطاع غزة، منذ بداية الشهر الماضي، نتيجة عدوان الاحتلال الإسرائيلي"، وفق وزارة الصحة الفلسطينية.
دعوة لقيادة ميدانية موحدة
من جانبه، طالب نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية، "بتشكيل قيادة شبابية ميدانية وتنسيقية بين الشبان في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس"، مفيداً "بأهمية تحديد أهداف الانتفاضة".
ودعا، خلال كلمته في افتتاح مؤتمر الأمن الفلسطيني الثالث الذي عقد أمس في قطاع غزة تحت عنوان "الدولة الفلسطينية تحديات وآمال"، إلى "تجاوز اتفاقية "أوسلو" التي لم تجلب للشعب الفلسطيني إلا الحصار والتهويد والاستيطان".
وأكد بأن "الانتفاضة الفلسطينية سددت ضربة قوية للاحتلال، وأعادت الوحدة للشعب الفلسطيني والاعتبار للمقاومة"، معتبراً أنها "خطوة على طريق التحرير، وستستمر رغم محاولات الاحتلال وأعوانه للالتفاف عليها."
وحذر من ما اعتبرها عقبتان تواجهان الانتفاضة الفلسطينية، تتمثلان في "التنسيق الأمني المجمع وطنياً على رفضه، ومحاولات الاحتواء السياسي والضغط الإقليمي على الشعب الفلسطيني لإعادة الانتفاضة إلى المربع الأول".
ولفت إلى أهمية "تطبيق قرارات المجلس المركزي واتفاقيات القاهرة التي نصت على تجريم التنسيق الأمني ورفضه"، معرباً عن "تخوفه من أن تمثل الانتفاضة بالنسبة للسلطة استثماراً سياسياً للعودة إلى المفاوضات".
ودعا "الفصائل الفلسطينية للاتفاق على استراتيجية وطنية موحدة لقيادة الانتفاضة سياسياً وعسكرياً، ولعقد الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير، لاستكمال بحث كافة الملفات على رأسها ترتيب الانتفاضة".
وأوضح بأن "الانتفاضة جاءت كنتاج طبيعي وتراكمي لشعب يريد أن يتحرر من الاحتلال بعد أن وصل لقناعة بأن التحرير لا يمكن أن يتحقق إلا بالمقاومة".
ودان الناطق باسم "حماس" سامي أبو زهري "الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب الاسرائيلية والتي كان آخر أمثلتها هدم بيوت الفلسطينيين والإعدامات الميدانية حتى داخل المستشفيات".
وقال، في تصريح أمس، إن "سياسة هدم البيوت لن تفلح في اجهاض الانتفاضة، ولن تزيد الشعب الفلسطيني إلا إصراراً على مواصلة انتفاضته وتطوير أدواتها".
وكالة كل العرب الاخبارية