الرواية والتاريخ.. كنعان اليبوسي أنموذجاً
دأبت الدراسات النقدية في التعامل مع الروايات التاريخية إلى نظرة مغايرة عما يتعامل معه النقد في الروايات المتخيلية، سواء أكانت مبنية على الواقع أم على الخيال المحض، فبناء الرواية التاريخية يقوم على الحكاية المستقاة من التاريخ نفسه، بل تنهل منه وتتشكل وتضيف وتختزل وتتصرف، وفي نهاية المطاف تُنتج رواية ولا تكتب تاريخا، أي لا تُعيد كتابة التاريخ، بل إعادة كتابة الماضي على نحو جمالي، وفي لغة سردية، «فالتاريخ يرفد الرواية بالمادة الحكائية التي يشكلها المبنى، في حين أن العلوم الأخرى لا تمتلك المقومات الحكائية التي يملكها التاريخ، بل إن خدماتها لا تتجاوز مستوى الأدوات التي يوظفها الروائي في عمله. إن التاريخ يمتلك صلاحيات أعظم لأنه السرد الأكبر، وما الرواية إلا تابعة متمردة عليه، من هنا تبرز خصوصية هذه التسمية (الرواية التاريخية)»، ومن هذا المنطلق نفهم أن مصطلح الرواية التاريخية هو مصطلح شكلي في إطاره العام، كما نفهم أن الرواية التاريخية تُعيد انتاج الأحداث التاريخية بجماليات السرد الحديثة، وبتشكيل رؤى جديدة للعالم.
ويصف جورج لوكاش «الرواية التاريخية بأنها رواية تثير الحاضر، ويعيشها المعاصرون بوصفهم السابق بالذات»، وكما تناولها الباحثون والدارسون بوصفها فناً خيالياً يتناول الماضي متجاوزاً حدود التاريخ، ولكي نجمل ما تحدّث عنه منظرو الأدب والنقد للدخول في العمل الذي تنشغل به هذه الورقة على التحديد، هي: «خطاب أدبي ينشغل على خطاب تاريخي مثبت سابق عليه انشغالاً أفقياً، يحاول إعادة إنتاجه روائياً، ضمن معطيات آنية، لا تتعارض مع المعطيات الأساسية للخطاب التاريخي. وانشغالاً رأسياً عندما تحاول إتمام المشهد التاريخي من وجهة نظر المؤلف إتماماً تفسيرياً أو تعليلياً أو تصحيحياً، لغايات إسقاطية أو استذكارية أو استشرافية».
تقوم رواية «كنعان اليبوسي»، وهي رواية للفتيان، لمؤلفتها نجلاء حسون، على حكايات متخيلة، متكئة على التاريخ الكنعاني من خلال قراءاتها المتعددة، كما أشارت لذلك في نهاية الرواية تحت عنوان (المراجع)، وكما قدمت للرواية بـ (مدخل)، ويعرّفُ المدخلُ الفتيانَ بأجواء الرواية وأحداثها، أي تقدم الكاتبة مادة تعليمية تربوية، باعتبار أن هناك قطيعة ما بين الأجيال في قراءة التاريخ، خاصة أننا نتحدث عن عصر فضائي في مدارات التكنولوجيا الحديثة، أي نتحدث عن ثورة تقنية أشغلت الصغار والكبار في شبكات التواصل الاجتماعي، فآل الكتاب والتاريخ نسياً منسياً!
جاء المدخل للرواية كاشفاً عن أحداثها دون عناء السير في السرد الحكائي، بل جاء تمهيداً لفترة تاريخية تعود إلى 3300 قبل الميلاد، وإلى فضاء مكاني يتمثّل بالقدس، حين كان اسمها الأول (يبوس)، وعلاقتها بالمدن الكنعانين الأخرى، وما تنتجه هذه المدن في الزراعة والصناعة، كما هناك حديث عن آلهة الكنعانيين، والحياة الاجتماعية والسياسية، كل هذا جاء توظيفه في السرد الحكائي للرواية لكنه بأسلوب فني جمالي، أي نقلتْ الكاتبة الفتيان وأظن الفتيات، وإن كانت الإشارة على الغلاف (رواية للفتيان)!، من الجو التاريخي المبني على الحقائق إلى جو جمالي مبني على المتخيل في إطاره التاريخي.
قسمتْ الاتبة الرواية إلى أربعة فصول، وهذا التقسيم يأتي في إطار العمل الروائي التقليدي، أو البحثي، فالرواية قد تنتج مفاصل عددية أو عنوانات، وإن كنتُ هنا أتحدث عن الشكل الروائي وليس المضمون، في حين تضطلع الرواية بشخصيت غير تاريخية، أي لم تكن شخصيات تاريخية بالدقة، وإنما شخصيات متخيلة، فالشخصيات الحقيقية لا تفرض نفسها على العمل الروائي عند نجلاء حسون، بل لجأت الكاتبة لكسر القفل التاريخي المؤدي إلى الشخصيات التاريخية الحقيقية، وحركت الشخصيات كما رسمتها أو خططت لها أن تكون قريبة من ذهنية المتلقي (الفتيان) في العصر الحديث، وقد كشفت المستور عن تلك الشخصيات وبرز الفن في جماليات الوصف والسرد والحوار، ثلاثة مرتكزات قامت عليها الرواية، وظهر ذلك في أعمال فولتير وديدرو وفيلدنج، عندما ينقل الكاتب الشخصية الحقيقية من صفتها التاريخية إلى صفتها الروائية، فنجد في الفصل الأول شخصية جبرين (أبو كنعان) اليبوسي التاجر الكبير، الذي يتجول مع ابنه الأكبر كنعان في المدن الكنعانينة، في رحلة تجارية محفوفة بالمخاطر إلى يلقى حتفه على يد (العبيرو) وهم قطاع الطرق من الخارجين على القانون، ويشكلون قوة ضاربة في الأرض الكنعانية، وكما جاء وصفهم في الرواية: «إنهم أحياناً جنود مرتزقة، وأحياناً أخرى قتلة مأجورون، وفي بعض الأحياء عبيد مستخدمون، كما أنهم قطاع طرق محترفون، يسطون على القوافل يسرقون بضائعها، ويقتلون أفرادها إذا قاوموهم»، وترك أبو كنعان في يبوس سالم الابن الثاني لجبرين وابنته شام وزوجته إيلات، الذي ينتظرون عودة أبي كنعان وابنه، وقد امتلكوا قصراً منيفاً.
تبدأ الكاتبة في وصف مشوق للفتيان، متنقلة بين المدن الكنعانية في سرد حكائي يقطعه الحوار المباشر، وهذا القطع شكلياً وليس في مضمون الحكاية، بل السرد والحوار والوصف عناصر تشكل معمار الرواية كلها، تتحدث الكاتبة بصيغة الحكاية الشعبية عن عادات أهل مدن كنعان وصناعتهم وزراعتهم وأعيادهم وآلهتهم وطقوس الزواج كما تمثّل في مشهد حفل زفاف كنعان في نهاية الرواية، أي في الفصل الرابع، ولنأخذ مقطعاً قصيراً من طقس الزواج تقول الرواية: «في المعبد وأمام الآلهة (عناة) طلب كنعان من أبي ماريا الزواج من ابنته في حضورها، وهي تقف إلى جانبه، فوافق بعد أن أخذ موافقتها، وطلب من كنعان أن يذكر مهرها حسب العادات اليبوسية الكنعانية».
تسعى الكاتبة لأن تجد مشتركاً بين التاريخي والواقعي، حيث تقترب أحداث الرواية من الواقع المعاصر بصورة كبيرة مع بعدها الزمني التاريخي، و»إن اللجوء إلى الماضي لإنجاز رواية قد ينطلق بادئ ذي بدء من قيمة تعليمية محددة تكشف لنا التاريخ بطريقة قصصية شائقة تخلق لدينا وعياً سياسياً واجتماعياً بماضينا»، وهذا ما فعلته الكاتبة نجلاء حسون، وليس كما فعل جورجي زيدان عندما قام بإلباس التاريخ ثوباً روائياً.
تعاملت رواية «كنعان اليبوسي» مع حدث معلن البداية والنهاية، وفي تسلسل منطقي أو هرمي للرواية من بداية الفصل الأول إلى نهاية الفصل الرابع، رحلة تاجر ثري وابنه إلى مدن كنعانية: أريحو – أريحا، وشكيم – نابلس، وبيت إيل – رام الله، وبيت شان – بيسان، وربع – الخليل، وغيرها من المدن الكنعانية، وسعت الكاتبة إلى توظيف اللغة غير مبتعداً عن اللغة المعاصرة، «لأن استلهام لغة الحكاية من زمنها قد يقطع الوصل بين المتلقي (الجاهل بها) والمرسل (المتعالم بها). وهذا يفقد اللغة وظيفتها التواصلية والتفاعلية»، فقدمت نجلاء حسون الرواية بلغة معاصرة فصيحة تتفق والمستوى الذهني للفتيان، وابتعدت عن توظيف اللهجة العامية في روايتها، وإن كانت الرواية موجهة للفتيان، وليس للكبار كما فعل عبدالرحمن منيف في «أرض السواد»، وسميحة خريس في «القرمية»، وزياد القاسم في «الزوبعة»، « على الكاتب أن يسغل اللغة بوصفها تقنية فاعلة تخدم العمل الروائي بأكثر من طريقة، ولا يكتفي بسلامتها التركيبية بل يجب أن يدرك أن لها سلامة إيحائية لا بد من تحقيقها».
ولنأخذ مقطعاً تتمثّل فيه لغة رواية (كنعان اليبوسي) شاهداً، وهذا المقطع يصف فيه جراح أبي كنعان، الذي أصيب بضربة من (العبيرو) قطاع الطرق أثناء عودته إلى يبوس (القدس) بعد رحلة تجارية في المدن الكنعانية، كما يصف ما كان عليه الطب في ذاك العصر، وارتهان الطب مع كهنة المعابد: «وصل الجميع البيت، ركض سالم وأحضر أشهر الكهنة وأفضلهم سمعةً وخبرةً لعلاج والده، فالتفو حوله.. يدهنون جرحه وجسده بالأرجوان والزيت المحفوظين في قرون الثور المجوفة، ويقرأون عليه التعاويذ الخاصة بالشفاء. كانوا يغلون الماء ويجمعون بخاره ويمسحون الجرح لطرد الأرواح الشريرة من جسده. والخدم في الخارج يدقون الطبول كما أمرهم الكهنة، كي يطردوا الأرواح الشريرة أيضاً ويتم شفاء أبي كنعان. وطردَ الخدم كل القطط والخنازير والكلاب المحيطة بالقصر، لاعتقادهم أنها ربما تنقل أمراضاً أخرى لأبي كنعان أو لعائلته. صهر الكهنة التماثيل الفضية والذهبية وذوبوها لطرد المرض من أبي كنعان وشفائه، وبقيت إيلات وكنعان وسالم وشام حوله، لا ينامون، ولا تجف لهم دمعة، ولا يتوقفون عن الدعاء من أجل أن تكون الآلهة معهم وتُشفي أبا كنعان، لكن الحُمّى لم تفارقه، ولا الهذيان، لم يشفَ جرحه، صارع المرض كثيراً وصارعه، ورغم كل الجهود التي بُذلت والوسائل التي استُخدمت، والأدعية التي ارتجفت القلوب والشفاه وهي تدعو بها، فارق أبو كنعان الحياة».
تتجاوز الرواية الاتكاء على الحدث التاريخي، بل تقوم على استثمار التاريخ في انتاجها للدلالة الروائية، فهي رواية تعود بنا إلى مرحلة تاريخية موغلة في القدم بثوب عصري، كي تؤكّد الكاتبة على أن الحاضر هو امتداد للماضي، وإن القدس (يبوس أو أورسالم أو إيليا أو بيت المقدس أو دار السلام أو قرية السلام) هي المرتكز الأساسي لدولة كنعان الممتدة لعهد اليبوسيين الذين حكموا المدينة ما يقارب الثلاثمائة وخمسون عاماً (1550 – 1200) ق. م. بل نجد أسماء الشخصيات هي أسماء عصرية في أغلبها، والأمكنة كذلك، فهنا يبدأ الربط بين مكانين متباعدين، مكان كنعاني موغل في القدم – كما ذكرت – ومكان حديث أو عصري متمثّل في القدس الآن.
تميزت رواية نجلاء حسون بقدرتها على توظيف التقنيات الروائية الحديثة، واستطاعت أن توظف السرد والحوار والوصف في تداعيات حكائية متقنة، متفادية في ذلك صرامة التاريخ إلى جماليات الفن الروائي، فلم تقم بسرد أخبار تاريخية صرفة كما يفعل بعض الروائيين، وإنما قامت بتهيئة جو تاريخي للأحداث، واستطاعت أن تروي الأحدث التاريخي على لسان الشخصيات في إطار فني، فالرواية تحمل أحداثاً مشوقة للفتيان، كما تحمل مرجعية تاريخية في لإطارها التاريخي، فهي رواية تحمل هدفاً تعليمياً وتربوياً في الآن معاً، بعيداً عن حشو الفكرة في إطار سردي تاريخي لا يقيم للفن وزناً أو جمالياً.
يبقى القول إن هذه الرواية (كنعان اليبوسي) من الكتابات للأطفال المتميزة، فهناك قلة قلية جداً تكتب روايات للفتيان أو الأطفال أو مسرح للأطفال كما فعل جمال أبو حمدان في إحدى مسرحياته للأطفال والتي نشرت عن وزارة الثقافة في عمان، بل هناك نتاج قصص وشعري للأطفال لا يلتفت إليه الدارسون وطلبة الدراسات العليا والنقاد أيضاً، وهذا مما يدفع بإلقاء الغث والسمين في سلة واحدة أمام أجيال ناشئة تنجرف في تيار لا يحمد عقباه .
الدستور- وكالة كل العرب الاخبارية